بدائع الفوائد

فإن قيل: فهلا فعلوا بها ما فعلوا بـ "إذ"١ حين نوَّنوها، وحذفوا الجملة بعدها، فيضيفوا إليها ظروف الزمان كما يضيفونها إلى "إذ" في نحو: "يومئذٍ" لأن الإضافة في المعنى إلى الجملة التي عاقبها التنوين؟.

فالجواب: أن "إذ" قد اسْتُعمِلت مضافةً إلى الفعل [المستقبل]٢ في المعنى على وجهِ الحكاية للحال، كما قال (ق/ ٣٨ أ) تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٥] ولم يستعملوا "إذا" مضافة إلى الماضي بوجهٍ ولا على حال، فلذلك استغنوا بإضافة الظروف إلى "إذ" وهم يريدون الجملة بعدها عن إضافتها إلى "إذا"، مع أن "إذ" في الأصل حرفان، و"إذا" ثلاثة أحرف، فكان ما هو أقل حروفًا في اللفظ أولى بالزيادة فيه، وإضافة الأوقات إليه زيادة فيه؛ لأن المضاف والمضاف إليه بمنزلة اسم واحد. وأقوى من هذا أن "إذن" فيها معنى الجزاء، وليس في "إذ" منه رائحة، فامتنع إضافة ظرف الزمان إلى "إذن"؛ لأن ذلك يُبْطِل ما فيها من معنى الجزاء؛ لأن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، فلو أُضِيْفَ "اليوم"٣ و"الحين" إليها لغلب عليهما حكمه لضعفها٤ عن درجة حرف الجزاء، فتأمله.

فائدة بديعة٥

" لام كي والجحود" حرفان ناصِبان بإضمار "أن"، إلا أن "لام

  1. (١) (ق): "إن".
  2. (٢) من "النتائج".
  3. (٣) (ظ ود): "إليه".
  4. (٤) في الأصول بضمير المثنَّى في الجميع، والتصحيح من النتائج".
  5. (٥) "نتائج الفِكْر": (ص/ ١٣٨).
172

كي" هي لام العلة، فلا يقع قبلها١ إلا فعل يكون علة لما بعدها، فإن كان ذلك الفعل منفيًّا لم يخرجها عن أن تكون "لام كي"، كما ذهب إليه الصَّيْمَرِي٢؛ لأن معنى العلة فيها باقٍ، وإنما الفرق بين "لام الجحود" و"لام كي" وذلك من ستة أوجه:

أحدها: أن لام الجحود يكون قبلها كَوْنٌ منفيٌّ بشرط المضي؛ إما "ما كان" أو "لم يكن"، لا مستقبلًا، فلا تقول: "ما أكون لأزورك"٣، وتكون زمانية ناقصة لا تامة، ولا يقع بعد اسمها ظرف ولا مجرور، لا تقول: "ما كان زيد عندك ليذهب" ولا: " ... أمس ليخرج". فهذه أربعة فروق.

والذي يكشف لك قناع المعنى ويهجم بك على الغرض: أن "كان" الزمانية عبارة عن زمانٍ ماضٍ، فلا تكون عِلّةً لحادث٤، ولا تتعدَّى إلى المفعول من أجله، ولا إلى الحال وظروف المكان، وفي تعدِّيها إلى ظروف الزمان نظرًا فهدا الذي منعها أن تقع قبلها لام العلة، أو يقع بعدها المجرور أو الظرف.

وأما الفرق الخامس بين اللامين فهو: أنَّ الفعل بعد "لام الجحود" لا يكون فاعله إلا عائدًا على اسم "كان"؛ لأن الفعل بعدها في موضع الخبر، فلا تقول: "ما كان زيدٌ ليذهب عَمْرو"، كما

  1. (١) (ظ ود): "فيها".
  2. (٢) هو: عبد الله بن علي بن إسحاق الضَّيْمري النحوي، له كتاب "التبصرة" اعتنى به أهل المغرب، وترجمته في المصادر مقتضبة جدًّا، ولم يعرف له تاريخ وفاة.
    انظر: "إنباه الرواة": (٢/ ١٢٣)، و"إشارة التعيين": (ص / ١٦٨).
  3. (٣) (ق): "لأزيدك".
  4. (٤) (ق): "لما حدث".
173

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي