كي" هي لام العلة، فلا يقع قبلها١ إلا فعل يكون علة لما بعدها، فإن كان ذلك الفعل منفيًّا لم يخرجها عن أن تكون "لام كي"، كما ذهب إليه الصَّيْمَرِي٢؛ لأن معنى العلة فيها باقٍ، وإنما الفرق بين "لام الجحود" و"لام كي" وذلك من ستة أوجه:
أحدها: أن لام الجحود يكون قبلها كَوْنٌ منفيٌّ بشرط المضي؛ إما "ما كان" أو "لم يكن"، لا مستقبلًا، فلا تقول: "ما أكون لأزورك"٣، وتكون زمانية ناقصة لا تامة، ولا يقع بعد اسمها ظرف ولا مجرور، لا تقول: "ما كان زيد عندك ليذهب" ولا: " ... أمس ليخرج". فهذه أربعة فروق.
والذي يكشف لك قناع المعنى ويهجم بك على الغرض: أن "كان" الزمانية عبارة عن زمانٍ ماضٍ، فلا تكون عِلّةً لحادث٤، ولا تتعدَّى إلى المفعول من أجله، ولا إلى الحال وظروف المكان، وفي تعدِّيها إلى ظروف الزمان نظرًا فهدا الذي منعها أن تقع قبلها لام العلة، أو يقع بعدها المجرور أو الظرف.
وأما الفرق الخامس بين اللامين فهو: أنَّ الفعل بعد "لام الجحود" لا يكون فاعله إلا عائدًا على اسم "كان"؛ لأن الفعل بعدها في موضع الخبر، فلا تقول: "ما كان زيدٌ ليذهب عَمْرو"، كما
(١) (ظ ود): "فيها".
(٢) هو: عبد الله بن علي بن إسحاق الضَّيْمري النحوي، له كتاب "التبصرة" اعتنى به أهل المغرب، وترجمته في المصادر مقتضبة جدًّا، ولم يعرف له تاريخ وفاة. انظر: "إنباه الرواة": (٢/ ١٢٣)، و"إشارة التعيين": (ص / ١٦٨).
(٣) (ق): "لأزيدك".
(٤) (ق): "لما حدث".
تقول: "يا"١ زيد ليذهب عَمْرو أو لتذهب أنت"، ولكن تقول: "ما كان ليذهب" و"ما كنت لأفعل".
والفرق السادس: جواز إظهار "أن" بعد "لام كي"، ولا يجوز إظهارها بعد لام الجحود؛ لأنها جَرَت في كلامهم نفيًا للفعل المستقبل بـ "السين" أو "سوف"، فصارت لام الجحود بإزائهما: فلم يظهر بعدها ما لا يكون بعدهما٢.
وفي هذه النكتة مَطْلع على فوائد من كتاب الله، ومرقاة إلى تدبُّره، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾[الأنفال: ٣٣] فجاء بلام الجحد حيث كان نفيًا لأمر متوقع، وسبب مخوف في المستقبل، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ٣٣﴾[الأنفال: ٣٣] فجاء باسم الفاعل الذي لا يختص بزمان حيث أراد نفي وقوع العذاب بالمستغفرين على العموم في الأحوال٣ لا يخص مُضِيًّا من استقبال. (ق/ ٣٨ ب) ومثله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى﴾[هود: ١١٧] ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى﴾[القصص: ٥٩] فالحظ هذه الآية من مطلع الأخرى تجدها كذلك.
وأما "لام العاقبة" ويسمونها: "لام الصيرورة" في نحو: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾[القصص: ٨]، فهي في الحقيقة "لام كي"، ولكنها لم تتعلق بالخبر لقصد المخبر عنه وإرادته، ولكنها تعلقت بإرادة فاعل الفعل على الحقيقة، وهو الله سبحانه، أي: فعل الله ذلك ليكون كذا