وقال بعض الناس في قوله ﷺ: "لا، تَرَآي نَارَاهما"١: إن "لا" ردعٌ وما بعدها واجب، وهذا خطأ في الأمرين وتلبيس لا يجور حمل النصوص عليه. وكذلك ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ١﴾[القيامة: ١] أيضًا، بل القولُ فيها أحد قولين: إما أن يقال: نفي للقسم وهو ضعيف، وإما أن يقال: أُقْحِمت أول القسم إيذانًا بنفي المقسم عليه وتوكيدًا لنفيه، كقول الصِّدِّيق ﵁: "لاهَا اللهِ، لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ"٢ الحديث.
ومما يدل على حرصهم على إيصال حرف النفي بما بعده؛ قطعًا لهذا التوهُّم: أنهم قلبوا لفظ الفعل الماضي بعد "لم" إلى لفظ المضارع؛ حِرْصًا على الاتصال٣، وصرفًا للوهم عن ملاحظة الانفصال.
فإن قيل: وأي شيءٍ في لفظ (ق/٣٩ أ) المضارع مما يؤكد هذا
= وقوّى شيخ الإسلام في "الفتاوى": (٢٠/ ٥٧٢)، ثبوت قول عمر، ورجَّحه على الأمر بالقضاء. والتأويل المذكور فيه بُعد، ولم أجد في مصادر الأثر اللفظ المذكور.
(١) أخرجه أبو داود رقم (٢٦٤٥)، والترمذي رقم (١٦٠٤) وغيرهم من طريق أبي معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن جرير بن عبد الله ﵁ مرفوعًا. وأخرجه النسائي: (٨/ ٣٦) وغيره عن خالد الواسطي ومَعْمر وهُشَيم، عن إسماعيل، عن قيسٍ مرسلًا لم يذكر جريرًا. وصحح الطريقَ المرسلةَ البخارىُّ -فيما نقله عنه الترمذي- وأبو حاتم -كما في "العلل" ١/ ٣١٥ - والترمذيُّ.
(٢) أخرجه البخاري رقم (٤٣٢١)، ومسلم رقم (١٧٥١)، من حديث أبي قتادة ﵁ في قصة غزوة حُنين.
(٣) (ق) زيادة: "وحرصًا على النهي" وليست في (ظ ود والنتائج).
المعني؟ أَوَ ليسا سواء هو والماضي؟.
قلنا: لا سواء، فاعلم أن الأفعالَ مضارعة للحروف، من حيثُ كانت عوامل في الأسماء كـ "هي"، ومن هناك استحقت البناء، وحقُّ العامل أن لا يكون مُهَيئًا لدخول عامل آخر عليه، قطعًا للتسلسل الباطل١، والفعل الماضي بهذه الصورة وهو على أصله من البناء ومضارعة الحروف العوامل في الأسماء، فليس يذهب الوهمُ عند النطقِ به، إلا إلى انقطاعه عما قبله، إلا بدليل يربطه، وقرينة تجمعه إليه، ولا يكون في موضع الحال ألبتَّةَ إلا مصاحبًا لقيد، ليجعلَ هذا الفعل فى موضع٢ الحال.
فإن قلت: فقد يكون في موضع الصفة من٣ النكرة نحو: "مررت برجل ذهبَ"؟.
قيل: افتقارُ النكرة إلى الوصف، وفَرط احتياجها إلى التخصيص تكملة لفائدة الخبر، هو الرابط بين الفعل وبينها، بخلاف الحال فإنها تجيء بعد استغناء الكلام وتمامه. وأما كونه خبرًا للمبتدأ؛ فلشدة احتياج المبتدأ إلى خبره، جاز ذلك، حتى إنك إذا أدخلت "إن" على المبتدأ بطل أن يكون الماضي في موضع الخبر، إذا٤ كان في خبرها اللام، لما في اللام من معنى الابتداء والاستئناف لما بعدها٥،
(١) (ظ ود) ت: "الباطن"! وفي "النتائج": "التسلسل المستحيل عقلًا وأصلًا". وهو بمعنى الباطل.
(٢) (ق): "بمنزلة".
(٣) (ظ ود): "الصفتين".
(٤) (ظ ود): "إذ قد كان"، و"ق": "إذ" والمثبت من "النتائج".