قلنا: لا سواء، فاعلم أن الأفعالَ مضارعة للحروف، من حيثُ كانت عوامل في الأسماء كـ "هي"، ومن هناك استحقت البناء، وحقُّ العامل أن لا يكون مُهَيئًا لدخول عامل آخر عليه، قطعًا للتسلسل الباطل١، والفعل الماضي بهذه الصورة وهو على أصله من البناء ومضارعة الحروف العوامل في الأسماء، فليس يذهب الوهمُ عند النطقِ به، إلا إلى انقطاعه عما قبله، إلا بدليل يربطه، وقرينة تجمعه إليه، ولا يكون في موضع الحال ألبتَّةَ إلا مصاحبًا لقيد، ليجعلَ هذا الفعل فى موضع٢ الحال.
فإن قلت: فقد يكون في موضع الصفة من٣ النكرة نحو: "مررت برجل ذهبَ"؟.
قيل: افتقارُ النكرة إلى الوصف، وفَرط احتياجها إلى التخصيص تكملة لفائدة الخبر، هو الرابط بين الفعل وبينها، بخلاف الحال فإنها تجيء بعد استغناء الكلام وتمامه. وأما كونه خبرًا للمبتدأ؛ فلشدة احتياج المبتدأ إلى خبره، جاز ذلك، حتى إنك إذا أدخلت "إن" على المبتدأ بطل أن يكون الماضي في موضع الخبر، إذا٤ كان في خبرها اللام، لما في اللام من معنى الابتداء والاستئناف لما بعدها٥،
(١) (ظ ود) ت: "الباطن"! وفي "النتائج": "التسلسل المستحيل عقلًا وأصلًا". وهو بمعنى الباطل.
(٢) (ق): "بمنزلة".
(٣) (ظ ود): "الصفتين".
(٤) (ظ ود): "إذ قد كان"، و"ق": "إذ" والمثبت من "النتائج".
(٥) (ق): "قبلها".
فاجتمع ذلك مع صيغة المضي، وتعاونا على منع الفعل الماضي من أن يكون خبرًا لما قبلها، وليس ذلك في المضارع.
وليس المضارع كالماضي؛ لأن مضارعته للاسم هيَّأته لدخول العوامل عليه، والتصرف بوجوه الإعراب كالاسم، وأخرجته عن شبه العوامل التي لها صدر الكلام، وصيَّرته كالأسماء المعمول فيها، فوقع موقع الحال والوصف وموقع خبر المبتدأ و"إنَّ" [و] لم يقطعه دخول "اللام" عن أن يكون خبرًا في باب "إنَّ"، كما قطع الماضي؛ من حيث كانت صيغة الماضي لها صدر الكلام، كما تقدم.
فإن قيل: فما وجه مضارعة الفعل المستقبل والحال؟.
قيل: (ظ/ ٢٨ ب) دخول الزوائد عليه١ ملحقة بالحروف الأصلية متضمنة لمعاني الأسماء كالمتكلم والمخاطب؛ فما تضمن معنى الاسم أعرب، كما بني من الأسماء ما تضمن معنى الحرف. ومع هذا فإن الأصل في دخول الزوائد شبه٢ الأسماء، وصلح فيها من الوجوه مالا يصلح في الماضي.
فائدة بديعة٣
" لام" الأمر، و"لا" في النهي، وحروف المجازاة: داخلة على المستقبل، فحقُّا أن لا يقع بعدها لفظ الماضي، ثم قد٤ يوجد ذلك لحكمة، أما حرف النهي فلا يكون فيه ذلك؛ كيلا يلتبس بالنفي