بدائع الفوائد

فاجتمع ذلك مع صيغة المضي، وتعاونا على منع الفعل الماضي من أن يكون خبرًا لما قبلها، وليس ذلك في المضارع.

وليس المضارع كالماضي؛ لأن مضارعته للاسم هيَّأته لدخول العوامل عليه، والتصرف بوجوه الإعراب كالاسم، وأخرجته عن شبه العوامل التي لها صدر الكلام، وصيَّرته كالأسماء المعمول فيها، فوقع موقع الحال والوصف وموقع خبر المبتدأ و"إنَّ" [و] لم يقطعه دخول "اللام" عن أن يكون خبرًا في باب "إنَّ"، كما قطع الماضي؛ من حيث كانت صيغة الماضي لها صدر الكلام، كما تقدم.

فإن قيل: فما وجه مضارعة الفعل المستقبل والحال؟.

قيل: (ظ/ ٢٨ ب) دخول الزوائد عليه١ ملحقة بالحروف الأصلية متضمنة لمعاني الأسماء كالمتكلم والمخاطب؛ فما تضمن معنى الاسم أعرب، كما بني من الأسماء ما تضمن معنى الحرف. ومع هذا فإن الأصل في دخول الزوائد شبه٢ الأسماء، وصلح فيها من الوجوه مالا يصلح في الماضي.

فائدة بديعة٣

" لام" الأمر، و"لا" في النهي، وحروف المجازاة: داخلة على المستقبل، فحقُّا أن لا يقع بعدها لفظ الماضي، ثم قد٤ يوجد ذلك لحكمة، أما حرف النهي فلا يكون فيه ذلك؛ كيلا يلتبس بالنفي

  1. (١) من (ق).
  2. (٢) في "النتائج": "أشبه".
  3. (٣) "نتائج الفكر": (ص/ ١٤٥).
  4. (٤) (ظ ود): "لم" وهو خطأ.
179

لعدم الجزم، ولكن إذا كانت "لا" في معنى الدعاء؛ جاز وقوع الفعل يعدها بلفظ الماضي، ثم قد يوجد بعد ذلك لوجوهٍ:

منها: أنهم أرادوا أن يجمعوا التفاؤل (ق/٣٩ ب) مع الدعاء في لفظ وأحد، فجاءوا بلفظ الفعل الحاصل في مَعْرِض الدعاء تفاؤلًا بالإجابة، فقالوا: "لا خَيَّبك الله".

وأيضًا: فالداعي قد يُضَمِّن دعاءَه القصد إلى إعلام السامع وإخبار المخاطب بأنه داعٍ، فجاءوا بلفظ الخبر، إشعارًا بما تضمنه من معني الإخبار، نحو: "أعزَّك اللهُ وأكرمك"، و"لا رحم فلانًا"، جمعتَ بين الدعاء والإخبار بأنك١ داعٍ.

ويوضح ذلك أنك لا تقول ذلك في حال مناجاتك الله ودعائك لنفسك، لا تقول: "رحمتني ربِّ" و"رزقتني" و"غفرت لي"، كما: تقول للمخاطَب: "رحمكَ اللهُ ورزقكَ وغفرَ لك"، إذ لا أحد في حال مناجاتك يَقصد إخباره وإعلامه، وإنما أنت داعٍ وسائل محض.

فإن قيل: وكيف لم يخافوا اللبس كما خافوه في النهي؟.

قلنا: للدعاء هيئة ترفع الالتباس، وذِكْر الله مع الفعل ليس بمنزلة ذكر الناس، فتأَمَّله فإنه بديعٌ في النظر والقياس، فقد جاءت أشياء بلفظ الخبر وهي في معني الأمر والنهي. منها قول عمر ﵁: "صلي رجل في كذا وكذا من اللباس"٢، وقولهم: "أنْجَزَ حُرٌّ مَا وَعَد"٣.

  1. (١) (ظ ود): "فإنك".
  2. (٢) أخرجه البخاري رقم (٣٦٥).
  3. (٣) يقال: أول من قالها: الحارثُ بن عَمْرو آكل المرار، ولها قصة.
    انظر: "مجمع الأمثال": (٣/ ٣٧١).
180

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي