بدائع الفوائد

وقولهم: "اتقَى اللهَ أمرؤٌ"١. وهو كثيرًا، فجاء بلفظ الخبر الحاصل تحقيقًا لثبوته، وأنه مما ينبغي أن يكون واقعًا ولابد، فلا يطلب من المخاطب إيجاده، بل يخبر عنه٢ لتحقّقه خبرًا صِرْفًا، كالإخبار عن سائر الموجودات.

وفيه طريقة أخرى وهي أفقه معنًى من هذه، وهو: أَنَّ هذا إخبار محض عن وجوب ذلك واستقرار حسنه في العقل والشريعة والفطرة، وكأنهم يريدون بقولهمِ: "أنجزَ حُرٌّ ما وَعَد"، أي: ثبتَ ذلك في المروءة واستقرَّ في الفِطر. وقول عمر ﵁ "صلَّى رجلٌ في إزاء ورداء ... " الحديث٣، أي: هذا مما وجب في الديانة وظهر وتحقَّق من الشريعة، فالإشارة إلى هذه المعاني حَسَّنت صرفَه إلى صورة الخبر، وإن كان أمرًا، وهذا٤ لا يكاد يجيء الاسم بعده إلا نكرة، لعمومِ هذا الحكم وشيوع النكرة في جنسها، فلو جعلت مكان النكرة في هذه الأفعال أسماء مُعَرَّفة تمحَّضَ فيها معنى الخير وزال معنى الأمر، فقلت: "اتقى اللهَ زيدٌ" و"أنجزَ عَمْرو ما وعد"، فصار خبرًا لا أمرًا.

وهذا موضع المسألة المشهورة وهي: مجيء الخبر بمعنى الأمر في القرآن في نحو قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، و﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ونظائره، فمن سلك المسلكَ

  1. (١) قاله الحارث بن هشام المخزومي. انظر: "الاستيعاب -بهامش الإصابة": (١/ ٣١١).
  2. (٢) (ظ ود): "عنه به".
  3. (٣) تقدم.
  4. (٤) (ظ ود): "زائدًا".
181

الأول؛ جعلَه خبرًا بمعنى الأمر، ومن سلك المسلك الثاني؛ قال: بل هو خبر حقيقة غير مصروف عن جهة الخبرية، ولكن هو خبر عن حُكْم الله وشرعه ودينه ليس خبرًا عن الواقع، ليلزم ما ذكروه من الإشكال، وهو احتمال عدم وقوع مخبره، فإن هذا إنما (ق/ ٤٠ أ)، يلزم من الخبر عن الواقع، وأما الخبر عن الحكم والشرع فهو حقٌّ (ظ/٢٩ ب)، مطابق لخبره لا يقع خلافه أصلًا.

وضد هذا مجيء الأمر بمعنى الخبر نحو قوله: "إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنع مَا شِئْتَ"١، فإن هذا صورته صورة الأمر، ومعناه معنى الخبر المحض، أي: من كان لا يستحي فإنه يصنع ما يشتهي، ولكنه صرف عن جهة الخبرية إلى: صورة الأمر لفائدة بديعة، وهي: أن العبد له من حيائه آمر يأمره بالحَسَن وزاجر يزجره عن القبيح، ومن لم يكن له٢ من نفسه هذا الآمر لم تنفعه الأوامر، وهذا هو واعظ اللهِ في قلب العبد المؤمن الذي أشار إليه النبي٣ ﷺ، ولا تنفع المواعظ الخارجة إن لم تصادف هذا الواعظ الباطن، فمن لم يكن له من نفسه

  1. (١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٨٣)، وغيره من حديث أبي مسعود البدري ﵁.
  2. (٢) من (ق).
  3. (٣) وذلك في حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال "ضرِب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا ... " وفيه: "وداعٍ يدعو من جوف الصراط ... " وفَسَّر هذا الداعي بأنه: "واعظ اللهِ في قلبِ كلِّ مَسلم".
    أخرجه أحمد: (٤/ ١٨٢ - ١٨٣)، والترمذي رقم (٢٨٥٩)، والنسائي في "الكبري": (٦/ ٣٦١) وغيرهم.
    وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط مسلم في "المستدرك": (١/ ٧٣)، وابنُ كثير في "التفسير": (١/ ٩ - ٣٠). وللحافظ ابن رجب رسالة مطبوعة في شرح هذا الحديث.
182

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي