الموضع للمستقبل؛ فقد عُلِّل بنْحو هذه العلة، وأن الأَداة تدل١ على الاستقبال فعدلوا إلى الماضي؛ لأنه أخفُّ، وهي -أيضًا- غير مُطَّردة ولا مستقلَّة، ولو لم ينقض عليهم إلا بسائر الأدوات التي لا يكون الفعل بعدها إلا مستقبلًا، ومع ذلك لا يقع٢ بلفظ الماضي.
وأحسن مما ذكروه أن يقال: عَدَل عن المستقبل هنا إلي صيغة الماضي، إشارة إلى (ق/ ٤٠ ب)، نكتة بديعة، وهي: تنزيل الشرط بالنسبة إلى الجزاء منزلةَ الفعل الماضي، فإن الشرط لا يكون إلَّا٣ سابقًا للجزاء متقدِّمًا عليه، فهو ماضٍ بالإضافة إليه.
ألا ترى أنك إذا قلت: "إن اتقيتَ اللهَ أدخلكَ جنته"، فلا تكون إلا سابقة على دخول الجنة، فهو ماض بالإضافة٤ إلى الجزاء، فأتوا للفظ الماضي تأكيدًا للجزاء وتحقيقًا؛ لأن الثاني لا يقع إلا بعد تحقق الأول ودخوله في الوجود، وأنه لا يُكتفى فيه بمجرد العزم وتوطين النفس عليه الذي يكون٥ في المستقيل، بل لا سبيلَ إلى نيلِ الجزاء إلا بتقدُّم الشوط عليه وسَبْقِه له، فأتى بالماضي لهذه النكتة البديعة مع أَمْنهم اللبسَ بتحصين أداة الشرط لمعنى الاستقبال فيهما.
يبقى أن يُقَال: فهذا تقرير حَسَن في فعل٦ الشرط، فما الذي حَسَّن وقوعَ الجزاء المستقبل من كلِّ وجهٍ بلفظ الماضي إذا قلت:
قيل: هذا سؤالٌ حسن (ظ/٢٩ ب)، وجوابه: أنهم لما أبرموا١ تلك الفائدة في فعل الشرط؛ قصدوا معها تحسين اللفظ، ومشاكلة أوله لآخره وازدواجِه واعتدال أجزائه، فأتوا بالجزاء ماضيًا لهذه الحكمة، فإن لفظتي الشَّرط والجزاء كالأخوين الشقيقين، وأنت تراهم يغيرون اللفظ عن جهته وما يستحقه لأجل المعادلة والمشاكلة، فيقولون: "أتيته بالغَدَايا والعَشَايا"؛ و"مأزورات غير مأجورات"٢، ونظائره، ألا ترى كيف حَسُن: "إن تَزُرْني أَزُرْك"، و"إن زُرْتني زُرْتُك"، وقَبُحَ: "إن تَزُرْني زُرْتُك"، وتوسط: "إن٣ زُرتَني أَزُرْك"، فَحَسُنَ الأوَّلان للمشاكلة، وقَبُح الثالث للمنافرة، حتى منع منه٤ أكثرُ النحاة وأجازه جماعة، منهم: أبو عبد الله بن مالك وغيره، وهو الصواب، لكثرة شواهده وصِحَّة قياسه على الصورة الواقعة، وادَّعى أنه أولى بالجواز منها، قال: لأن المستقبل في هذا الباب هو الأصل والماضي فرع عليه، فإذا أجزتم أن يكون الماضي أولًا والمستقبل بعده فجواز الإتيان بالمستقبل الذي هو الأصل أولى والماضي بعده أَوْلى.
والتقرير الذي قدمناه من كون الشرط سابقًا على الجزاء فهو ماض بالنسبة إليه يدل على ترجيح قولهم: "وإن زرتني أَزُرْك"، أولى
(١) (ق): "أعربوا".
(٢) جاء في حديث أخرجه ابن ماجه رقم (١٥٧٨)، والبيهقي في "الكبرى": (٤/ ٧٧)، وغيرهم من حديث علي ﵁ في نساء تبعن جنازة، وفي سنده ضعف، وانظر "مصباح الزجاجة": (١/ ١٨٠)، و"كشف الخفاء": (١/ ١١٧).