بدائع الفوائد

العمل والجزم بحرف "لم"؛ لأنها أقرب إلى الفعل وألصق به، وكان المعنى في الاستقبال لحرف "إن"؛ لأنها أولى وأسبق، فكان اعتبارها في المعنى واعتبار "لم" في الجزم، ولا ينكر [إلغاء]١ "إن" هنا؛ لأن ما بعدها في حكم صيغة الفعل الماضي، كما لا ينكر إلغاؤها قبله.

وقد أجازوا في "إن" النافية من وقوع المستقبل بعدها بلفظ الماضي ما أجازوا في "إن" التي (ق/ ٤١ ب) للشرط، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] ولو جعلت مكان "إن" هاهنا غيرها من حروف النفي؛ لم يحسن فيه مثل هذا؛ لأن الشرطية أصل للنافية، كأن٢ المجتهد في النفي إذا أراد توكيده يقول: "إن كان كذا وكذا فعَلَيَّ كذا، أو: فأنا كذا"، ثم كَثُر هذا في كلامهم حتى حُذِف الجواب وفُهِم المقصد فدخلت "إن" في باب النفي، والأصل ما ذكرناه، والله أعلم.

فائدة بديعة

في ذكر المفرد والجمع، وأسباب اختلاف العلامات الدالة على الجمع، واختصاص كلِّ محل بعلامته، ووقوع المفرد موقع الجمع٣ وعكسه، وأين يحسن مراعاة الأصل وأين يحسن العدول عنه؟ وهذا فصلٌ نافعٌ جدًّا يُطلعك على سرِّ هذه اللغة العظيمة القدر، المفضَّلة على سائر لغات الأمم.

  1. (١) في الأصول: "الإلغاء" والمثبت من "النتائج".
  2. (٢) (ق): "فإن".
  3. (٣) (ظ ود): "الجملة".
188

اعلم أن الأصل هو المعنى المفرد، وأن يكون اللفظ الدال عليه مفردًا؛ لأَنَّ اللفظ قالب المعنى ولباسه يحتدي حذوه، والمناسبة الحقيقية ثابتة١ بين اللفظ والمعنى طولًا وقصرًا، وخِفَّة وثقلًا، وكثرةً وقِلَّة، وحركة وسكونًا، وشدَّةً ولينًا، فإن كان المعنى مفردًا أفردوا لفظه، وإن كان مركبًا ركبوا اللفظ، وإن كان طويلًا طوَّلوه، كـ "العنطنط" و"العشنَّق" للطويل، فانظر إلى طول هذا اللفظ لطول معناه، وانظر إلى لفظ "بُحْتُر" وما فيه من الضم والاجتماع لما كان مسماه القصير المجتمع الخلق، وكذلك لفظة "الحديد" و"الحجر" و"الشدة" و"القوة" ونحوها تجد في ألفاظها ما يناسب مسمياتها، وكذلك لفظا "الحركة" و"السكون" مناسبتهما لمُسَمَّيَيْهِما معلومة بالحس، وكذلك لفظ "الدوران" و"النزوان" و"الغليان" وبابه في لفظها من تتابع الحركة ما يدل على تتابع حركة مسماها؛ وكذلك "الدجال" و"الجرَّاح" و"الضرَّاب" و"الأفَّاك" في تكرر الحرف المضاعَف منها ما يدل على تكرر المعنى. وكذلك "الغضبان" و"الظمآن" و"الحيران" وبابه، صِيْغ على هذا البناء الذي٢ يتسع النطق به ويمتلئ الفم بلفظه لامتلاء حامله من هذه المعاني، فكان الغضبان هو الممتلئ غضبًا، الذي قد أتسع غضبُه حتى ملأ قلبَه وجوارحَه، (ظ/ ٣٠ ب) وكذلك بقيتها.

ولا يتسع المقام لبسط هذا فإنه يطول ويَدِق جدًّا حتى تَكِعّ٣ عنه أكثر الأفهام وتنبو عنه للطافته، فإنه ينشأ من جوهر الحرف تارةً،

  1. (١) في هامش (ظ): "معتبرة".
  2. (٢) سقطت من (ق).
  3. (٣) أي: تضعف وتجبن، وانظر ص / ٣٢٥ السطر التاسع.
189

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي