بدائع الفوائد

فإنه لما ثَقُل عليهم المفرد، وطالت حروفه، وازداد ثقلًا بالجمع خفَّفوه بحذف١ بعض حروفه، لئلا يجمعوا بين ثقلين، ولا يناقض هذا ما أصَّلوه من طول اللفظ لطول المعنى وقصره لقصره، فإن هذا بابٌ آخر من المعادلة والموازنة عارَضَ ذلك الأَصل، ومنع من طَرْدِه.

ومنه٢ جمعهم "فعيل وفعول وفَعَال" على "فُعُل" كـ "رَغِيْف وعَمُوْد وقَذَال" على "رُغُف وعُمُد وقُذُل" لثقل المفرد بالمدة؛ فإن كان في واحِدِه تاء التأنيث فإنها تحذف في الجمع، فكرهوا أن يحذفوا المَدَّة فيجمعوا عليه بين نَقْصَين٣ فقلبوا المَدَّةَ ولم يحذفوها، كـ "رسالة ورسائل" و"صحيفة وصحائف"، فجبروا النقص بالفرق لا أنهم تناقضوا.

وتارة يقتصرون على تغيير٤ بعض حركاته فيجعلونها علامة لجمعه، كـ "فَلَك وفُلْك" و"عَبْد وعُبُد"، وتارة يجتلبون له لفظًا مستقلًّا من غير لفظ واحِدِه، كـ "خيل" و"أنام" و"قوم" و"رهط" ونحوه؛ وتارة يجعلون العلامة في التقدير والنية لا في اللفظ، كـ "فلك" للواحد والجمع، فإن ضمة الواحد في النية كضمة "قفل"٥ وضمة الجمع كضمة "رسل"؛ وكذلك: "هِجَان ودِلاصى وأسْمال وأعْشَار" مع أن غالب هذا الباب إنما يأتي في الصفات٦ لحصول التمييز والعلامة بموصوفاتها، فلا يقع ليس، ولا يكاد يجيء في غير

  1. (١) (ق): "فحذفوا".
  2. (٢) (ظ ود): "ومنهم".
  3. (٣) (ظ ود): "نقيضين".
  4. (٤) ليست في (ق).
  5. (٥) (ق ود): "فعل".
  6. (٦) (ظ ود): "في الباب".
191

الصفات إلا نادرًا جدًّا، ومع هذا فلابد أن يكون لمفرده١ لفظ يُغَاير جمعه، ويكون فيه لغتان؛ لأنهم علموا أنه يثقل عليهم، أما في الجر والنصب؛ فلتوالي الكَسَرات، وأما في الرفع؛ فَلِثِقَل٢ الخروج من الكسرة إلى الضمَّة، فعدلوا إلى جمع تكسيره، ولا يرد هذا عليهم في "راحمين وراحمون" لفصل الألف الساكنة ومنعها من توالي الحركات، فهو كـ "مسلمين وقائمين"، وكذلك عَدَلوا عن جمع فعل المضاعف (ق/ ٤٢ ب) من صفات العقلاء كـ "فظّ" و"برّ"، فلم يجمعوه جمع سلامة، ويقولوا: "برون" و"فظون"؛ لئلا يشتبه بـ "كلُّوب" و"سفُود"؛ لأنه بزِنَتهْ فكسروه وقالوا: "أبرار"، فلما جاؤوا إلى غير المضاعف كـ "صَعْب" جمعوه جمع تصحيح ولم يخافوا (ظ/ ٣١ أ) التباسًا؛ إذ ليس في الكلام "فَعْلول"، و"صعْفوق" نادِر. فتأمل هذا التفريق وهذا التصور الدال على أن أذهانهم قد فاقت أذهانَ الأمم، كما فاقت لغتهم لغاتِهِم.

وتأمل كيف لم يجمعوا "شاعرًا" جَمْع سلامة مع استيفائه شروطه بل كسروه، فقالوا: "شعراء" إيذانًا منهم بأن واحِدَه على زِنَةِ "فَعِيل"، فجمعوه جَمْعَه كـ "رحيم ورُحَماء" لما كان مقصودهم المبالغة في وصفهم بالشعور٣.

ثم انظر كيف لم ينطقوا بهذا الوجه٤ المقدَّر كراهية منهم لمجيئه بلفظ "شعير" وهو الحبُّ المعروف، فأتوا "بفاعل"٥، ولما لم يكن

  1. (١) (ق): "لمفرده جمع".
  2. (٢) (ظ ود): "فينتقل"!
  3. (٣) (ق): "بالشعر".
  4. (٤) (ق): "الواحد".
  5. (٥) (ق): "بلفظ فاعل".
192

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي