الصفات إلا نادرًا جدًّا، ومع هذا فلابد أن يكون لمفرده١ لفظ يُغَاير جمعه، ويكون فيه لغتان؛ لأنهم علموا أنه يثقل عليهم، أما في الجر والنصب؛ فلتوالي الكَسَرات، وأما في الرفع؛ فَلِثِقَل٢ الخروج من الكسرة إلى الضمَّة، فعدلوا إلى جمع تكسيره، ولا يرد هذا عليهم في "راحمين وراحمون" لفصل الألف الساكنة ومنعها من توالي الحركات، فهو كـ "مسلمين وقائمين"، وكذلك عَدَلوا عن جمع فعل المضاعف (ق/ ٤٢ ب) من صفات العقلاء كـ "فظّ" و"برّ"، فلم يجمعوه جمع سلامة، ويقولوا: "برون" و"فظون"؛ لئلا يشتبه بـ "كلُّوب" و"سفُود"؛ لأنه بزِنَتهْ فكسروه وقالوا: "أبرار"، فلما جاؤوا إلى غير المضاعف كـ "صَعْب" جمعوه جمع تصحيح ولم يخافوا (ظ/ ٣١ أ) التباسًا؛ إذ ليس في الكلام "فَعْلول"، و"صعْفوق" نادِر. فتأمل هذا التفريق وهذا التصور الدال على أن أذهانهم قد فاقت أذهانَ الأمم، كما فاقت لغتهم لغاتِهِم.
وتأمل كيف لم يجمعوا "شاعرًا" جَمْع سلامة مع استيفائه شروطه بل كسروه، فقالوا: "شعراء" إيذانًا منهم بأن واحِدَه على زِنَةِ "فَعِيل"، فجمعوه جَمْعَه كـ "رحيم ورُحَماء" لما كان مقصودهم المبالغة في وصفهم بالشعور٣.
ثم انظر كيف لم ينطقوا بهذا الوجه٤ المقدَّر كراهية منهم لمجيئه بلفظ "شعير" وهو الحبُّ المعروف، فأتوا "بفاعل"٥، ولما لم يكن
(١) (ق): "لمفرده جمع".
(٢) (ظ ود): "فينتقل"!
(٣) (ق): "بالشعر".
(٤) (ق): "الواحد".
(٥) (ق): "بلفظ فاعل".
هذا المانع في الجمع قالوا: "شعراء".
فأما التثنية١ فإنهم ألزموها حالًا واحدًا، فالتزموا فيها لفظ المفرد، ثم زادوا عليه علامة التثنية، وقد قدَّمنا أن ألف التثنية في الأسماء أصلها ألف الاثنين في "فعلا"، وذكرنا الدليل على ذلك، فجاءت الألف في التثنية في الأسماء كما كانت في "فعلا" علامة الاثنين، وكذلك الواو في جمع المذكر السالم علامة الجمع نظير "واو" فعلوا، وتقدم أنك لا تجد "الواو" علامةً للرفع في جميع الأسماء إلا في الأسماء المشتقة من الأفعال، أو ما هو في حكمها. ولما كانت الألف علامة الاثنين في ضمير مَنْ يعقل وغيره كانت علامة التثنية في العاقل وغيره، وكانت الألف أولى بضمير الاثنين لقرب التثنية من الواحد، وأرادوا أن لا يغيروا الفعل عن البناء على الفتح في الاثنين، كما كان ذلك في الواحد؛ للقرب المذكور.
ولما كانت "الواو" ضمير العاقلين خاصة في "فعلوا" خصوها بجمع العقلاء في نحو: "هم مسلمون" و"قائمون"٢، ولما كان في الواو من الضم والجمع ما ليس في غيرها؛ خصُّوها بالدَّلالة على الجمع دون الألف.
وسرُّ المسألة؛ أَنك إذا جمعت وكان القصد إلى تعيين آحاد المجموع، وأنت معتمد الإخبار عن كل واحد منهم، سلم لفظ باء الواحد في الجمع كما سلم معناه في القصد إليه، فقلت: "فعلوا" و"هم فاعلون"، وأكثر ما يكون هذا فيمن يعقل؛ لأن جميع ما لا
(١) انظر: "نتائج الفِكْر": (ص/ ١٥٢ - فما بعدها) بتصرف، وما تقدم (ص/ ١٤٥).