يعقل من الأجناس يجري مجرى الأسماء المؤنثة المفردة، كالثُّلَّة والأُمَّة و[الجُمَّة]١، فلذلك تقول: "الثياب بيعت"، ولا تقول: "بيعوا". و"الجمال ذهبت"، ولا تقول: "ذهبوا"٢؛ لأنك تشير إلى الجملة من غير تعيين آحادها. هذا هو الغالب فيما لا يعقل إلا ما أُجْري منه٣ مجرى العاقل.
وجاءت جموع التكسير مُغيَّرًا٤ فيها بناء الواحد، جارية (ق/ ٤٣ أ) في الإعراب مجراه حيث ضعفَ الاعتماد على كل واحد بعينه، وصار الخبر كأنه عن الجنس الكثير الجاري في لفظه مَجْرى الواحد؛ ولذلك جمعوا ما قلَّ عدده من المؤنَّث جمع السلامة، وإن كان مما لا٥ يعقل نحو: "الثمرات والسمرات"؛ إلا أنهم لم يجمعوا المذكر منه -وإن قل عدده- إلا جمع تكسير؛ لأنهم في المؤنث لم يزيدوا غير "ألف" فرقًا بينه وبين الواحد، وأما "التاء" فقد كانت موجودة٦ في الواحدة وفي وصفها، وإن كثر جَمَعُوه جمع تكسير كالمذكر فإذا كانوا في الجمع القليل يسلمون لفظ الواحد من أجل الاعتماد في إسناد الخبر على أفراده، فما ظنك به في الاثنين إذا ساغ لهم ذلك في الجمع الذي هو علي حدها، لقربه منها، فلهذا لا تجد التثنية في
(١) في الأصول: "الجملة" والتصويب من "النتائج"، وقد تقدم نحو هذا التحريف وتصويبه (ص/ ١٤٤). والجمة: الجماعة.
(٢) العبارة في (ظ ود): "الثياب بيعت وذهبت" ولا تقول: "بيعوا وذهبوا" ".
(٣) من (ق).
(٤) (ظ ود): "معتبرًا".
(٥) (ظ ود): "مالا".
(٦) ليست فى (ق).
العاقل وغيره إلا على حدٍّ واحد، وكذلك ضمير الاثنين في الفعل.
وإذا عُلِم هذا؛ فحق العلامة في تثنية الأسماء أن تكون على حدها في علامة الإضمار، وأن تكون ألفًا في كلِّ الأحوال.
وكذلك فعلت طوائفُ من العرب، وهم: خَثْعم وطي وبنو الحارث بن كعب، وعليه جاء في قول مُحَققي النحاة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾[طه: ٦٣]، وأما أكثر العرب فإنهم كرهوا أن يجعلوه كالاسم المبني والمقصور من حيث كان الإعراب قد ثبت في الواحد، والتثنية طارئة على الإفراد، وكرهوا زوال الألف؛ لاستحقاق التثنية لها، فتمسَّكوا بالأمرين، فجعلوا "الياء" علامة الجر وشركوا النصب معه لما علمت من تعليل النحاة، فكان الرفع أجدر بالألف، لا سيما وهي في (ظ/ ٣١ ب) الأصل علامة إضمار الفاعل، وهي في تثنية الأسماء علامة رفع الفاعل أو ما ضارعه وقام مقامه.
وأما "الواو" فقد فهمت اختصاصها بالجمع واستحقاق الرفع لها مما١ قررناه في "الألف"؛ ولكنهم حولوها إلى "الياء" في الجر؛ لما ذكرنا في ألف التثنية. ومتى انقلبت الواو ياء، أو [الياء واوًا]، فكأنها هي٢؛ إذ لم يفارقها المد واللين، فكأنهما حرف واحد، والانقلاب فيهما تغير٣ حال لا تبديل، ولهذا تجدهم يعبرون عن هذا المعنى بالقلب لا بالإبدال، ويقولون في "تاء" تُراث وتُخمة وتُجاه: إنها بدل من "الواو".
(١) (ظ ود): "ما".
(٢) العبارة في (ظ ود): "ومتى انقلبت الواو ياء فكأنها إذ ... "، وتكررت في (ق): "أو الواو ياء" والصواب ما أثبت.