بدائع الفوائد

-وكانت عادَتُهم ردَّ اللام المحذوفة في١ الجموع، وكانت اللام المحذوفة واوًا أو ياءً- أُظْهِرَ في الجمع السالم لها ياء أو واو لم يكن٢ في الواحد، وساق القياس إليها سَوْقًا لطيفًا حتى حَصَلت له بعد أخذها منه، فما أشبه حال هذا الاسم بحال من أخذ اللهُ منه شيئًا وعوَّضه خيرًا منه، وأين الواو والياء الدالة على جمع أُولي العلم من ياءٍ أو واوٍ لا تدل على معنًى ألبتةَ؟!.

فتأمل هذا النحو ما ألطفه وأغربه وأعزه في الكتب والألسنة!!.

ثم انظر كيف كسروا السين من "سِنين"؛ لئلا يلتبس بما هو على وزن "فعول" من أوزان المبالغة، فلو قالوا: "سَنون" -بفتح السين- لالتبس بفعول من سَنَّ يسنُّ، فكان كسر السين تحقيقًا للجمع؛ إذ ليس في الكلام اسم مفرد على وزن "فِعِيْل" و"فِعُول"٣ -بكسر الفاء-.

فإن قيل: فما أنت صانع في الأرَضين؟.

قيل: ليست الأرض في الأصل كأسماء الأجناس، مثل: "ماء" و"حجر" و"تمر"، ولكنها لفظة جارية مجرى المصدر، فهي بمنزلة السُّفل والتَّحت، وبمنزلة ما يقابلها كالفوق والعُلو، ولكنها وُصِفَ بها هذا المكان المحسوس فجرت مجري٤: "امرأة زَوْر وضيف". ويدل على هذا قول الراجز:

  1. (١) (ق): "على".
  2. (٢) العبارة في (ق): "أو واوًا أو لم يكن"، وفي (د): " ... ولم ... ".
  3. (٣) (ق): "فعيل".
  4. (٤) من قوله: "مجري" إلى هنا مكرر في (ظ).
197

* ولم يُقَلِّب أَرْضَهَا البَيْطَارُ١ *

يصف قوائم الفرس، فأفرد اللفظ وإن كان يريد ما هو جمع في المعنى.

فإذا كانت بهذه٢ المنزلة؛ فلا معنى لجمعها، كما لا يجمع "الفوق والتحت والعُلو والسُّفل"، فإن قَصَد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة وعَيَّن قطعة محدودة منها، خرجت عن معنى "السُّفل" الذي هو في مقابلة "العُلو" حيث عين جزءًا محسوسًا منها، فجاز على هذا أن يُثَنى إذا ضممت إليه جزءًا آخر، فتقول: "رأيت أَرَضين"، ولا تقول للواحدة: "أَرْضَة"، كما تقول في واحد التَّمْر: "تَمْرة"؛ لأن الأرض ليسَ باسم جنسٍ كما تقدم.

ولا يقال أيضًا: (ق/ ٤٤ أ) أرضة من حيث قلت: ضَرْبة وخَرْجة، لأنها في٣ الأصل تجري مجرى السُّفل والتحت، ولا يتصور في العقول أن يقال: سفلة وتحتة، كما يتصور ذلك في بعض المصادر، فلما لم يمكنهم أن يجمعوا: أرضًا على أرضات، من حيث رفضوا: أَرْضَة، ولا أمكنهم أن يقولوا: آرُض، ولا: آراض من حيث لم يكن مثل أسماء الأجناس، كـ "صخر وكلب"، وكانوا قد عينوا جزءًا٤ محدودًا، فقالوا فيه: أرض، وفي تثنيته: أرضان، لم يُنكروا إذا أضافوا

  1. (١) ذكره ابن السكيت في "إصلاح المنطق": (ص / ٧٣) لحُمَيد الأرقط، وابن قتيبة في "أدب الكاتب": (ص/ ٥١) بلا نسبة وانظر حاشية المحقق. وتمامه: * ولا لِحَبْلَيْه بِها حَبَارُ *.
  2. (٢) (ق): "عنده".
  3. (٣) (ق): "هي".
  4. (٤) (ظ ود): "مجزوءًا".
198

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي