بدائع الفوائد

* ولم يُقَلِّب أَرْضَهَا البَيْطَارُ١ *

يصف قوائم الفرس، فأفرد اللفظ وإن كان يريد ما هو جمع في المعنى.

فإذا كانت بهذه٢ المنزلة؛ فلا معنى لجمعها، كما لا يجمع "الفوق والتحت والعُلو والسُّفل"، فإن قَصَد المخبر إلى جزء من هذه الأرض الموطوءة وعَيَّن قطعة محدودة منها، خرجت عن معنى "السُّفل" الذي هو في مقابلة "العُلو" حيث عين جزءًا محسوسًا منها، فجاز على هذا أن يُثَنى إذا ضممت إليه جزءًا آخر، فتقول: "رأيت أَرَضين"، ولا تقول للواحدة: "أَرْضَة"، كما تقول في واحد التَّمْر: "تَمْرة"؛ لأن الأرض ليسَ باسم جنسٍ كما تقدم.

ولا يقال أيضًا: (ق/ ٤٤ أ) أرضة من حيث قلت: ضَرْبة وخَرْجة، لأنها في٣ الأصل تجري مجرى السُّفل والتحت، ولا يتصور في العقول أن يقال: سفلة وتحتة، كما يتصور ذلك في بعض المصادر، فلما لم يمكنهم أن يجمعوا: أرضًا على أرضات، من حيث رفضوا: أَرْضَة، ولا أمكنهم أن يقولوا: آرُض، ولا: آراض من حيث لم يكن مثل أسماء الأجناس، كـ "صخر وكلب"، وكانوا قد عينوا جزءًا٤ محدودًا، فقالوا فيه: أرض، وفي تثنيته: أرضان، لم يُنكروا إذا أضافوا

  1. (١) ذكره ابن السكيت في "إصلاح المنطق": (ص / ٧٣) لحُمَيد الأرقط، وابن قتيبة في "أدب الكاتب": (ص/ ٥١) بلا نسبة وانظر حاشية المحقق. وتمامه: * ولا لِحَبْلَيْه بِها حَبَارُ *.
  2. (٢) (ق): "عنده".
  3. (٣) (ق): "هي".
  4. (٤) (ظ ود): "مجزوءًا".
198

إلى الجزءين ثالثًا١ (ظ/٣٢ أ) ورابعًا أن يجمعوه على حدِّ التثنية، فقد تقدم السر في الجمع الذي على حدِّ التثنية، وأنه مقصود إلى آحاده على التعيين، فإن أرادوا الكثرة والجمع الذي لا يتعين آحاده؛ كأسماء الأجناس لم يحتاجوا إلى الجمع، فإن لفظ: "أرض" يأتي على ذلك كلِّه؛ لأنها كلها بالإضافة إلى "السماء" تحت وسفل، فعبر عنها بهذا اللفظ الجاري مجرى المصدر لفظًا ومعنى، وكأنه وصف لذاتها، لا عبارة عن عينها وحقيقتها؛ إذ يصلح أن يُعَبر به عن كلِّ ماله فوق، وهو بالإضافة إلى ما يقابله سُفل كما تقدم، فسماءُ كلِّ شيءٍ أعلاه، وأرضه أسفله، وتأمل كيف جاءت مجموعةً في قول النبي ﷺ: "طُوِّقَهُ مِنْ سَبعْ أَرَضِيْن"٢ لما اعتمد الكلام على ذات الأرضين وأنفسها على التفصيل والتعيين لآحادها، دون الوصف لها بتحت أو سُفل في مقابلة: "فوق وعُلوّ" فتأمله.

فإن قلت: فلمَ جمعوا السماء فقالوا: سموات، وهلَّا راعَوا فيها ما راعَوا في الأرض فإنها مقابلتها٣؟ فما الفرق بينهما؟.

قيل: بينهما فرقان؛ فرقٌ لفظي وفرقٌ معنوي.

أما اللفظي: فإن "الأرض" على وزن ألفاظ المصادر الثلاثية٤، وهو فَعْل كضَرْب، وأما "السماء" وإن كان نظيرُها في المصادر العلاء والجلاء فهي بأبنية الأسماء أَشْبه، وإنما الذي يماثل "الأرضَ" في

  1. (١) (ظ): "بالياء"!.
  2. (٢) أخرجه البخاري رقم (٢٤٥٢)، ومسلم رقم (١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد ﵁.
  3. (٣) (ظ): "مقابلة".
  4. (٤) (ظ ود): "الثلاثة".
199

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي