العذاب أتت مفردةً، سرُّ ذلك: أنَّ رياح الرحمة١ مختلفة الصِّفات والمهابِّ والمنافع، وإذا هاجت منها ريحٌ أنشأ لها ما يقابلها ما يكسر سَوْرتها ويصدم حِدَّتها، فينشأ من بينهما ريحٌ لطيفة تنفع الحيوان والنبات، فكل ريح منها في مقابلها ما يعدلها ويردّ سَوْرتها، فكانت في الرحمة رياحًا٢. وأما في العذاب: فإنها تأتى من وجهٍ واحد وصِمام٣ واحد، لا يقوم لها شيء ولا يعارضها غيرُها، حتى تنتهي إلى حيث أُمِرَت (ظ/٣٣ ب)، لا يرد سَوْرتها ولا يكسر سرَّتها، فتمتثل ما أُمِرَت به وتصيب ما أُرسلت إليه. ولهذا وصف -سبحانه- الريحَ التي أرسلها على عادٍ بأنها عقيم، فقال تعالى: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾[الذاريات: ٤١]، وهي التي٤ لا تُلْقح ولا خير فيها، والتي تُعْقِم ما مَرَّت عليه.
ثم تأمل كيف اطرد هذا إلا قي قوله تعالى في سورة يونس: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾[يونس: ٢٢] فذكر ريح الرحمة الطيبة بلفظ الإفراد؛ لأن تمام الرحمة هناك إنما تحصل بوحدة الريح لا باختلافها، فإن السفينة لا تسير إلا يريحٍ واحدة من وجه واحد تسيرها، فإذا اختلفت عليها الرياح وتصادمت وتقابلت؛ فهو سبب الهلاك، فالمطلوب هناك ريح واحدة لا رياح، وأكَّدَ هذا المعنى بوصفها بالطِّيْب دفعًا لتوهُّمِ أن تكون ريحًا عاصفة، بل هي مما يُفرح بها لِطِيْبها، فلَينزِّه الفَطنُ بصيرَتَه في هذه الرياض المونقة المعجبة
(١) سقطت من (ق)، ومن قوله: "أتت مجموعة ... " إلى هنا ساقط من (د).
(٢) (ظ): "ريحًا".
(٣) (ظ ود): "حمام"!.
(٤) ليست في (ق).
التي ترقص القلوب (ق/٤٦ ب) لها فرحًا، ويغتِذي بها عن الطعام والشراب، فالحمد لله الفتَّاح العليم. فمثل هذا الفصل يُعَض عليه بالنواجذ. وتُثْنى عليه الخناصر، فإنه يشرف بك على أسرار -وعجائب تجتنيها من كلام الله، في الله الموفق للصواب.
ومما يدخل في هذا الباب: جمع الظلمات وإفراد النور، وجمع سُبُل الباطل وإفراد سبيل الحقّ، وجمع الشمائل وإفراد اليمين.
والجواب عنها يخرج من مشكاة واحدة، وسرُّ ذلك -والله أعلم-: أن طريق الحق واحد، وهو على الواحد الأحد كما قال تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ٤١﴾[الحجر: ٤١]، قال مجاهد: الحق طريقه على الله ويرجع إليه١، كما يقال: طريقك عليَّ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾[النحل: ٩] القصد٢ في أصح القولين، أي: السبيلُ القَصْدُ الذي٣ يوصل إلى الله، وهي طريقٌ عليه، قال الشاعر:
(١) أخرجه ابن جرير: (٧/ ٥١٧)، وابن أبي حاتم: (٧/ ٢٢٦٤)، وابن المنذر: -كما فى "الدر المنثور": (٤/ ١٨٤) -.