بدائع الفوائد

التي ترقص القلوب (ق/٤٦ ب) لها فرحًا، ويغتِذي بها عن الطعام والشراب، فالحمد لله الفتَّاح العليم. فمثل هذا الفصل يُعَض عليه بالنواجذ. وتُثْنى عليه الخناصر، فإنه يشرف بك على أسرار -وعجائب تجتنيها من كلام الله، في الله الموفق للصواب.

ومما يدخل في هذا الباب: جمع الظلمات وإفراد النور، وجمع سُبُل الباطل وإفراد سبيل الحقّ، وجمع الشمائل وإفراد اليمين.

أما الأول: فكقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١].

وأما الثاني: فكقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣].

وأما الثالث: فكقوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا﴾ [النحل: ٤٨].

والجواب عنها يخرج من مشكاة واحدة، وسرُّ ذلك -والله أعلم-: أن طريق الحق واحد، وهو على الواحد الأحد كما قال تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ٤١﴾ [الحجر: ٤١]، قال مجاهد: الحق طريقه على الله ويرجع إليه١، كما يقال: طريقك عليَّ، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] القصد٢ في أصح القولين، أي: السبيلُ القَصْدُ الذي٣ يوصل إلى الله، وهي طريقٌ عليه، قال الشاعر:

  1. (١) أخرجه ابن جرير: (٧/ ٥١٧)، وابن أبي حاتم: (٧/ ٢٢٦٤)، وابن المنذر: -كما فى "الدر المنثور": (٤/ ١٨٤) -.
  2. (٢) سقطت من (ظ ود).
  3. (٣) سقطت من (ق).
208
فهنَّ المنَايَا أيُّ وادٍ سَلَكنَهُعَلَيْها طَرِيْقي أو عَلَيَّ طَرِيْقُهَا١

وقد قررتُ هذا المعنى وبينتُ شواهدَه من القرآن، وسرَّ كون الصراط المستقيم٢ على الله، وكونه تعالى على الصراط المستقيم كما في قول هود: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ٥٦﴾ [هود: ٥٦] في كتاب: "التحفة المكية"٣.

والمقصود أن طريقَ الحق واحد إذ مرَدُّه إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعِّبة متعددة٤، فإنها لا ترجع إلى شيءٍ موجود ولا غايةَ لها توصل إليها، بل هي بمنزلة بُنَيَّات الطريق، وطريق الحق بمنزلة الطريق الموْصِل إلى المقصود، فهي وإن تنوَّعت؛ فأصلها طريق واحد.

ولما كانت الظلمة بمنزلة طرق٥ الباطل، والنور بمنزلة طريق الحق، بل هما هما؛ أُفرد النورُ وجُمعت الظلماتُ، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] (ظ/١٣٤) فوحَّد وليَّ الذين آمنوا وهو الله الواحد الأحد، وجَمع أولياء٦ الذين كفروا

  1. (١) لم أعرف قائله.
  2. (٢) ليست في (ق).
  3. (٣) أشار المؤلف إلى كتابه هذا في عدة مواضع من هذا الكتاب، وفي كتاب "طريق الهجرتين": (ص/ ٣٧٨)، وانظر: "ابن القيم حياته وآثاره": (ص/ ٢٢٨)، ولا يُعلم من خبره شيء، لكن يبدو من إحالات المؤلف عليه أنه كتاب كبير كثير الفوائد.
  4. (٤) (ق): "متعددة متسعة".
  5. (٥) (ق): "الطريق".
  6. (٦) سقطت من (ظ ود).
209

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي