إنشاء مشهود فقدمه بين يدي الرد على منكري البعث. ثم ذكر تعجُّبَ نبيه من تكذيبهم واستبعادهم البعثَ بعد الموت، ثم قرَّر البعث١ وحالهم فيه، فكان الاقتصار على ذكر المشارق هاهنا في غاية المناسبة للغرض المطلوب، والله أعلم.
فائدة٢
إنما ظهرت علامة التثنية والجمع في الفعل دون علامة الواحد؛ لأن الفعلَ يدل على فاعل مطلق، ولا يدل على تثنيةٍ ولا جمعٍ؛ لأنهما طارئان على الإفراد وهو الأصل، ففعل الواحد مستغنٍ عن علامة الإضمار لعلم السامع أن له فاعلًا، ولا كذلك في التثنية والجمع؛ لأن السامع لا يعلم أن الفاعل مثنًى ولا مجموع٣.
فإن قيل: فما معنى استتار الضمير في الفعل وهو حروف مركبة من حركات اللسان، فكيف يستتر فيها شيء أو يظهر؟.
قيل: أكثر ألفاظ النحاة محمول على الاستعارة والتشبيه والتسامح؛ إذ مقصودهم (ق/٤٨ ب) التقريب على المتعلمين.
والتحقيق: أن الفاعل مضمر في نفس المتكلم، ولفظ الفعل متضمِّن له دالٌّ عليه، واستغنى عن إظهاره لتقدم ذكره، وعُبَّر عنه بلفظٍ مضمر ولم يُعبَّر عنه بمحذوف؛ لأن المضمر هو المستتر٤، فهو مضمر في النية مُخْفًى في الخَلَد، والإضمار هو الإخفاء.
(١) (ظ ود): "قدر الموت"، والمثبت من (ق) وهو الأصح.
(٢) انظر: "نتائج الفِكر": (ص/ ١٦٤).
(٣) في "النتائج" زيادة: "إلا بدليل".
(٤) تحرفت فى (ظ ود) إلى "المستمر".
فإن قيل: فهلا سموا ما حذفوه لفظًا وأرادوه نيَّةً: مضمرًا، مثل العائد في قولك: "الذي رأيت زيدٌ"، وما الفرق بينهما وبين: "زيد قام"؟.
قيل: الضميرُ في: "زيد قام" لم ينطق به ثم حُذِف، ولكنه مضمر في الإرادة، ولا كذلك الضمير المحذوف للعلم به، لأنه قد لُفِظ به في النطق ثم حُذِف تخفيفًا، فلما كان قد لفظ به ثم قطع من اللفظ تخفيفًا عبر عنه بالحذف، والحذف هو: القطع من الشيء. فهذا هو الفرق بينهما.
فائدة بديعة١
لحاق علامة التثنية٢ والجمع للفعل مُقَدمًا، جاء في لغة قومٍ من العرب حرصًا على البيان وتوكيدًا للمعنى؛ إذ كانوا يسمون بالتثنية والجمع نحو: فلسطين وقِنَّسْرين، وحمدان وسلمان، مما يُشبه لفظه لفظ المثنى والجمع، فهذا ونحوه دعاهم إلى تقديم العلامة في قولهم: "أكلونى البراغيث"، وقد ورد فى الحديث: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ"٣، وكما أن هذه العلامة ليست للفعل إنما هي للفاعلين، وكذلك التاء في: "قامت هِند" ليست للفعل. [إذ الفعل] إنما هو حَدَث مذكَّر٤ لا يلحقه تأنيث إلا في نحو: "ضرْبَة وقَتْلَة"، والفعل لم يشتق من
(١) انظر: "نتائج الفِكْر": (ص/ ١٦٦).
(٢) تصحفت في (ق) إلى "التأنيث".
(٣) أخرجه البخاري رقم، (٥٥٥)، ومسلم رقم (٦٣٢) عن حديث أبي هريرة ﵁. وانظر المسألة في "البحر المحيط": (٣/ ٣٤)، و"فتح الباري": (٢/ ٤٢).