بدائع الفوائد

المصدر [محدودًا]١ وإنما يدل عليه مطلقًا، فالتاء إذا بمنزلة علامة التثنية والجمع، إلا أنها أَلْزم للفعل منها.

وقد ذكر النحاة في ذلك فروقًا وعللًا مشهورة فراجعها، ولكن ينبغي أن تتنبه لأمور تجب مراعاتها.

منها: أنهم قالوا: إن الاسم المؤنث إذا كان تأنيثه حقيقيًّا؛ فلابد من لحوق تاء التأنيث في الفعل، وإن كان مجازيًا كنتَ بالخيار، وزعموا أن التاء في: ﴿*قَالَتِ الْأًعْرَابُ﴾ [الحجرات: ١٤] (ظ/٣٥ ب) ونحوه؛ لتأنيثِ الجماعة وهو غير حقيقي، وقد كان على هذا لحوق التاء في: ﴿*وَقَالَ نِسْوَةٌ﴾ [يوسف: ٣٥] أولى؛ لأن تأنيثهن حقيقي. واتفقوا أن الفعلَ إذا تأخر عن فاعله المؤنث، فلابدَّ من إثبات التاء، وإن لم يكن التأنيثُ حقيقيًّا، ولم يذكروا فرقًا بين تقدُّم الفعل وتأخُّره.

ومما يقال لهم: إذا٢ لحقت التاء لتأنيث الجماعة، فلِمَ، يجوز في جمع السلامة المذكر كما جازت في جمع التكسير؟.

ومما يُقال لهم أيضًا: إذا كان لفظ الجماعة مؤنثًا، فلفظ الجمع مذكر، فلِمَ روعي لفظ التأنيث دون لفظ التذكير؟.

فإن قلتم: أنت مخيَّر، فإن راعيتَ لفظ التأنيث أنَّثتَ، وإن راعيت لفظ (ق/ ٤٩ أ) التذكرِ ذكَرتَ.

قيل لهم: هذا باطل، فإن أحدًا من العرب لم يقل: الهنداتُ ذهبَ، [ولا: الجِمالُ انطلقَ، ولا: الأعراب تكلَّم]٣، مراعاةً للفظ

  1. (١) (ظ ود وق): "محددًا" المثبت من "النتائج".
  2. (٢) (ظ ود): "إذا".
  3. (٣) (ق وظ ود): "ولا الأعراب انطلق"، وكذا في المنيرية، والمثبت من "النتائج".
217

الجمع، فبطلت العلة.

فهذه عللهم قد انتقضت كما ترى فاسمع الآن سرَّ المسألة وكَشْفَ قناعها: الأصل في هذا الباب أن الفعل متى اتصل: بفاعلة، ولم يحجز١ بينهما حاجز، لحقت العلامة، ولا نبالي أكان التأنيث حقيقيًّا أم مجازيًّا، فتقول: "طابت الثمرة" و"جاءت هند"، إلا أن يكون الاسم المؤنث في معنى اسمٍ آخر مذكَّر، كالحوادث والحدثان، والأرض والمكان٢، فلذلك جاء:

* فإنَّ الحوادثَ أَودى بها٣ *

فإن الحوادث في معنى الحدثان، وجاء:

*ولا أَرض أَبْقَل إبقالها٤ *

فإنه في معنى: ولا مكان أَبْقَل إبقالها.

وإذا فصلت الفعلَ عن فاعله، فكلما بَعُد عنه قَوِيَ حذف العلامة، وكلما قَرُبَ قَوِيَ إثباتها، وإن توسَّط توسط، فـ "حضرَ القاضيَ اليومَ امرأةٌ" أحسنُ مِن "حَضَرَت". وفي القرآن: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧].

  1. (١) (ظ ود): "يَجْر".
  2. (٢) (ظ ود): "الملكان".
  3. (٣) عجز بيت للأعشى. "ديوانه": (ص/ ٢٢١)، والرواية فيه:
    فإن تعهديني ولي لمة ... فإن الحوادث ألوى بها
  4. (٤) عجز بيت لعاصر الطائي، انظر: "الخصائص": (٢/ ٤١١) وغيره،
    وصدره:
    *فلا مُزنة ودقت وَدْقها*
    ووقع في (ظ): "والأرض"!.
218

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي