بدائع الفوائد

الجمع، فبطلت العلة.

فهذه عللهم قد انتقضت كما ترى فاسمع الآن سرَّ المسألة وكَشْفَ قناعها: الأصل في هذا الباب أن الفعل متى اتصل: بفاعلة، ولم يحجز١ بينهما حاجز، لحقت العلامة، ولا نبالي أكان التأنيث حقيقيًّا أم مجازيًّا، فتقول: "طابت الثمرة" و"جاءت هند"، إلا أن يكون الاسم المؤنث في معنى اسمٍ آخر مذكَّر، كالحوادث والحدثان، والأرض والمكان٢، فلذلك جاء:

* فإنَّ الحوادثَ أَودى بها٣ *

فإن الحوادث في معنى الحدثان، وجاء:

*ولا أَرض أَبْقَل إبقالها٤ *

فإنه في معنى: ولا مكان أَبْقَل إبقالها.

وإذا فصلت الفعلَ عن فاعله، فكلما بَعُد عنه قَوِيَ حذف العلامة، وكلما قَرُبَ قَوِيَ إثباتها، وإن توسَّط توسط، فـ "حضرَ القاضيَ اليومَ امرأةٌ" أحسنُ مِن "حَضَرَت". وفي القرآن: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧].

  1. (١) (ظ ود): "يَجْر".
  2. (٢) (ظ ود): "الملكان".
  3. (٣) عجز بيت للأعشى. "ديوانه": (ص/ ٢٢١)، والرواية فيه:
    فإن تعهديني ولي لمة ... فإن الحوادث ألوى بها
  4. (٤) عجز بيت لعاصر الطائي، انظر: "الخصائص": (٢/ ٤١١) وغيره،
    وصدره:
    *فلا مُزنة ودقت وَدْقها*
    ووقع في (ظ): "والأرض"!.
218

ومن هنا كان إذا تأخر الفعلُ عن الفاعل وجبَ ثبوت "التاء" طال الكلام أم قَصُر؛ لأن الفعل إذا تأخر كان فاعله مضمرًا متصلًا به اتصال الجزءِ بالكلِّ، فلم يكن بُدٌّ من ثبوت التاء لِفَرْط الاتصال، وإذا تقدَّم الفعلُ متصلًا بفاعله الظاهر، فليس مؤخر الاتصال كـ "هو" مع المضمر؛ لأن الفاعل الظاهر كلمة، والفعل كلمة أخرى، والفاعل المضمر والفعل كلمة واحدة؛ فكان١ حذف "التاء" في "قامت٢ هند" و"طابت الثمرة" أقرب إلى الجواز منه في قولك: "الثمرة٣ طابت".

فإن حَجَز بين الفعل وفاعله حاجز، كان حذف "التاء" حسنًا، وكلما كثرت الحواجز كان٤ حذفها أحسن.

فإن كان الفاعل جمعًا مكسَّرًا دخلت التاء لتأنيث الجماعة٥، وحُذِفت لتذكير اللفظ؛ لأنه بمنزلة الواحد في أن إعرابه كإعرابه، ومجراه في٦ كثير من الكلام مجرى اسم الجنس.

فإن كان الجمع مسلمًا فلابد من التذكير لسلامة لفظ الواحد، فلا تقول: قالت الكافرون، كما لا تقول: قالت الكافر٧؛ لأن اللفظ بحاله لم يتغير بطروء الجمع عليه.

  1. (١) من قوله: "والفاعل المضمر ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
  2. (٢) تحرفت في (ظ) إلى: "تأنيث"، وفي (د): "كان حذف التاء في تأنيث".
  3. (٣) سقطت من (ق).
  4. (٤) (ق): "ولما كثرت الحواجز فإن ... ".
  5. (٥) سقطت من (ظ ود).
  6. (٦) (ق): "في مجرى كثير".
  7. (٧) "كما لا تقول: قالت الكافر" ساقط من (د).
219

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي