بدائع الفوائد

عليه الضلالة، ولو قال بدل ذلك (ق/ ٥٠ أ): ضلت، لتعينت "التاء"، و[معنى]١ الكلامين واحد، وإذا كان معنى الكلامين واحدًا كان إثبات "التاء" أحسن من تركها؛ لأنها ثابتة فيما هو في٢ معنى الكلام الآخر.

وأما: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] فالفريق مذكَّر، ولو قال: فريقًا ضلوا، لكان بغير تاء. وقوله تعالى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ في معناه فجاء (ظ/٣٦ ب) بغير تاء، وهذا أسلوب لطيف من أساليب العربية، تدع العربُ حكم اللفظ٣ الواجب له في قياس لغتها، إذا كان في معنى كلمة لا يجب لها ذلك الحكم، ألا٤ تراهم يقولون: "هو أحسن الفتيان وأجمله"؛ لأنه في معنى: هو أحسن فتًى وأجمله٥.

ونظيره تصحيحهم: حول وعور؛ لأنه في معنى: أحول وأعور، ونظائره كثرة جدًّا. فإذا حَسُنَ الحمل على المعنى فيما كان القياس أن لا يجوز٦؛ فما ظنك به حيث يجوِّزه القياس والاستعمال!!.

وأحسن من هذا أن تقول: إنهم أرادوا: "أحسن شيءٍ وأجمله"، فجعلوا مكان "شيء" قولهم: "الفتيان" تنبيهًا على أنه أحسن شيء من هذا الجنس، فلو اقتصروا على ذكر "شيءٍ"، لم يدل على الجنس المفضل عليه، ومن هذا قوله ﷺ: "أَحْناهُ على ولد في صِغَره وأرعاه

  1. (١) زيادة يستقيم بها الكلام.
  2. (٢) (ق): "من".
  3. (٣) سقطت من (ق).
  4. (٤) ليست في (ظ ود).
  5. (٥) "لأنه في معنى: هو أحسن فتى وأجمله، سقطت من (ق).
  6. (٦) (ظ): "لا يجوّزه".
223

في ذاتِ يَدِه"١، فهذا يدل على أن التقدير هناك: "أحسن شيءٍ وأجمله"، لا أنه: "أحسن فتى"؛ إذ لو كان التقدير: "أحسن فتى" لكان نظيره هنا: "أحنى امرأة على ولد"، فكان يقال: "أحناها وأرعاها"، فلما عَدَل إلى التذكير؛ دل على أنهم أرادوا٢: أحْنا شيءٍ من هذا الجنس وأَرْعاه.

فائدة بديعة٣

قولك: "ضرب القوم بعضهم بعضًا"، هذه المسألة مما لم يدخل تحت ضبط النحاة ما يجب تقديمه من الفاعلين، فإن كليهما ظاهر إعرابه وتقديم الفاعل متعيِّن. وسرُّ ذلك مكان٤ الضمير المحذوف، فإن الأصل أن يقال: "ضرب القوم بعضهم بعضهم"؛ لأن حق البعض أن يضاف إلى الكل ظاهرًا أو مقدَّرًا، فلما حذفوه من المفعول استغناء بذكره في الفاعل لم يجوزوا تأخير الفاعل، فيقولوا: "ضرب بعضًا بعضُهم"؛ لأن اهتمامهم بالفاعل قد قَوِيَ وتضاعف لاتصاله بالضمير الذي لابُدَّ منه؛ فبعد أن كانت الحاجة إلى الفاعل مرة، صارت الحاجةُ إليه مرَّتين.

فإن قلت: فما المانع من إضافة "بعض" المفعول إلى الضمير فتقول: "ضرب القوم بعضهم بعضٌ"، أو: "ضربَ القوم بعض بعضَهم"؟

  1. (١) أخرجه البخاري رقم (٣٤٣٤)، ومسلم رقم (٢٥٢٧) من حديث أبى هريرة ﵁.
  2. (٢) (ق): "عليه أنه أراد".
  3. (٣) "نتائج الفِكر": (ص/١٧٤).
  4. (٤) في "المنيرية": "وهو".
224

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي