بدائع الفوائد

واحد منهما بنفسه، فجاءوا بالوصلة التي توصلوا بها إلى وصف النكرة باسم الجنس وهي: "ذو"، فقالوا: "جاءني زيد ذو قام أبوه"، وهذه لغة طيء وهي الأصل.

ثم إن أكثر العرب لما رأوها اسمًا قد وصف بها المعرفة، أرادوا تعريفه ليتفق الوصف والموصوف في التعريف، فأدخلوا الألف واللام عليه، ثم ضاعفوا اللام، كيلا يَذْهب لفظها بالإدغام ويذهب ألف الوصل في الدَّرْج، فلا يظهر التعريف، فجاء منه هذا اللفظ تقديرًا: "الذو" فلما رأوا الاسم قد انفصل عن الإضافة حيث صار معرفة قلبوا "الواو" منه "ياءً"، إذ ليس في كلامهم "وأو" متطرِّفة مضموم ما قبلها إلا وتنقلب "ياء" كـ "أدلي وأحق"، فصار "الذي".

وإنما صحَّت الواو في قولهم: "ذو"؛ لأنها كانت في حكم التوسط؛ إذ المضاف مع المضاف إليه كالشيء الواحد.

وفي معنى "ذو" بمعنى١ "الذي" طرف من معنى "ذا" التي للإشارة، لأن كلًّا منهما يَبِيْن بأسماء الأجناس، كقولك: "هذا الغلام وهذا الرجل"، فيتصل بها على وجه البيان، كما يتصل بها "ذو" على جهة الإضافة، ولذلك قالوا في المؤنث من الذي: "التي"، بالتاء، كما قالوا في المؤنث من "هذا": هاتا وهاتين٢.

فإن قيل: فلِمَ أُعْرب "الذي" في حال التثنية؟.

قيل: لأن الألف التي فيه هي بعينها٣ علامة الرفع في الأسماء المعربة، فدار الأمرُ بين ثلاثة أمور:

  1. (١) (ظ ود): "وبمعنى".
  2. (٢) كذا ولعلها: هاتي.
  3. (٣) (ظ ود): "بعضها".
227

أحدها: أن يبنوه وفيه علامة الإعراب، وهو مُسْتَشنع وصار بمنزلة من تعطل عن التصرف وفيه آلته.

الثاني: أن يسقطوها منه ليعطوه حظه من البناء فيبطل معني التثنية، فرأوا الثالث أسهل شيء عليهم، وهو إعرابه، فكان ترك مراعاة علة البناء أهون عليهم من إيطال معنى التثنية، ولهذه العِلَّة (١) بعينها أعربوا: «اثني عشره و"هذين» (٢)، وطَرْدُ هذا أن يكون «ياء» هذين مُعْربًا وهو الصحيح، وممن نص عليه السُّهَيْلي (٣) وأَحْسَنَ ما شاء، فإن الألف لا يكون علامة بناء بخلاف الضمة فإنها تكون للبناء، كحيث ومنذ، فتأمَّل هذا الموضع.

فإن قلت: هذا ينتقض عليك بالجمع فإنهم (٤) بنوه - أعني: الذين - وهو على حدِّ التثنية (ظ / ٣٧ ب) وفيه علامة الإعراب؟.

قلت: الفرق بين الجمع والتثنية من وجهين:

أحدهما: أن الجمع قد يكون إعرابه كإعراب الواحد بالحركات؛ نعم، وقد يكون الجمع اسمًا واحدًا في اللفظ كقومٍ ورَهْط.

الثاني: أن الجمع في حال (٥) نصبه وخفضه يُضَارع لفظه لفظ الواحد، من حيث كان آخره ياء مكسورًا ما قبلها، فحملوا (٦) الرفع الذي هو أقلُّ حالاته على النصب والخفض، وغلَّبوا عليه البناء،

  1. (١) ليست في (ظ ود).
    (٢) سقطت من (ق).
    (٣) "نتائج الفكر": (ص/ ١٧٩).
    (٤) في الأصلين: «فإنه".
    (٥) في حال، سقطت من (ظ ود).
    (٦) (ظ ود): فجعلواه.
228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي