في هواء١ الفم، مشاكلة لاتساع معناها في الأجناس. فإذا أوقعوها على نوعٍ بعينه، وخصوا به من يعقل وقصروها عليه، أبدلوا الألف نونًا ساكنة، فذهب امتداد الصوت، فصار قصرًا للَّفظِ موازنًا لقصر٢ المعنى.
وإذا وكان أمرها كذلك [ووقعت على جنْسٍ من الأجناس]٣، وجب أن يكون ضميرُها العائد عليها من الصلةَ التي لابد للصلة (ظ/ ٣٨ أ) منه، ولولا هو لم ترتبط بموصول حتى تكون صلة له، فيجب أن يكون ذلك الضمير بمنزلة ما يعود عليه في الإعراب والمعنى. فإذا وقعَتْ على ما هو فاعل في المعنى، كان ضميرها فاعلًا في المعنى واللفظ، (ق/ ٥٢ أ)، نحو: "كرهت ما أصابك". فـ "ما" مفعولة لكرهت في اللفظ، وهي فاعلة لـ "أصاب" في المعنى، فالضمير الذي في "أصاب" فاعل في اللفظ والمعنى.
وإذا وقعت على مفعول كان ضميرها مفعولًا لفظًا ومعنى، نحو: "سرني ما أكلته، وأعجبني ما لبسته". فهي في المعنى مفعولة؛ لأنها عبارة عن الملبوس، فضميرها مفعول في اللفظ والمعنى، وكذلك إذا وقعت على المصدر٤؛ كان ضميرها مفعولًا مطلقًا؛ لأن المصدر كذلك، وإن وقعت على الظرف؛ كان ضميرُها٥ مجرورًا بـ "في"؛ لأن الظرف كذلك في المعنى، إلا أنها لا تقع [من]٦ المصادر إلا
(١) (ظ): "هذا"!.
(٢) (ظ ود): "قصير اللفظ موازنًا لقصير".
(٣) ما بين المعكوفين من "النتائج": (ص/ ١٨١).
(٤) (ظ ود): "اللفظ".
(٥) من قوله: "مفعولًا ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(٦) (ظ ود): "على" و(ق): "إلا على" والمثبت من "النتائج".
على ما تختلف أنواعه للإبهام الذي فيها.
فإن قيل: فكيف وقعت على من يعقل، كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص: ٧٥]. ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥﴾[الشمس: ٥]. ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٣﴾[الكافرون: ٣]، وأمثال ذلك؟.
قيل: هي في هذا كُلِّه على أصلها من الإبهام والوقوع على الجنس العام، لم يُرَد بها ما يُراد بمَنْ مِن التعيين لما يعقل والاختصاص دون الشياع، ومن فَهِم حقيقةَ الكلام وكان له ذوق؛ عرفَ هذا واستبانَ له.
أما قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾[ص: ٧٥] فهذا كلام وَرَد في معرض التوبيخ والتبكيت للَّعِين على امتناعه من السجود، ولم يستحق هذا التبكيت والتوبيخ حيث كان السجودُ لما يعقل، ولكن للمعصية والتكبر على ما لم يخلقه؛ إذ لا ينبغي التكبر لمخلوق على مخلوقٍ١ مثله، إنما التكبر للخالق وحده، فكأنه يقول -سبحانه-: لمَ عصيتني وتكبَّرْت على ما لم تخلُقه وخلفَتُه أنا، وشرَّفتُه وأمرتُكَ بالسجودِ له؟! فهذا موضع "ما"؛ لأن معناها أبلغ ولفظها أعمُّ. وهو في الحجة أوقع، وللعذر والشبهة أقطع، فلو قال: ما منعك أن تسجدَ لمن خلقت؟ لكان استفهامًا مجوَّدًا من توبيخ وتبكيت، ولتُوُهِّم أنه وجب السجود له من حيث كان يعقل، أو لعلَّة موجودة في ذاته وعينه، وليس المراد كذلك، وإنما المراد: توبيخه وتبكيته على ترك سجوده لما خلق الله وأمره بالسجود له، ولهذا عَدَل عن اسم "آدم" العَلَم مع كونه أخص، وأتى بالاسم الموصول الدَّال على أن٢ جهة