من فضل الله، مستعينين بحوله وقوته، متبرئين إليه من الخطأ فما كان من١ صوابٍ فمنه وحده لا شريك له، وما كان من خطأ فمنا ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه.
فأما المسألة الثانية: وهي فائدة تَكْرَار الأفعال، فقيل فيه وجوه؛ أحدها: أن قوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ٢﴾، نفي للحال والمستقبل، وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٣﴾، مقابله أي: لا تفعلون ذلك، وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ٤﴾، أي: لم يكن مني ذلك قط قبل نزول الوحي، ولهذا أتى في عبادتهم بلفظ الماضي، فقال: ﴿مَا عَبَدْتُمْ ٤﴾، فكأنه قال: لم أعبد قط ما عبدتم. وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٥﴾، مقابله، أي: لم تعبدوا قط في الماضي ما أعبده أنا دائمًا.
وعلى هذا فلا تَكْرَار أصلًا، وقد استوفت الآياتُ أقسام النفي ماضيًا وحالًا ومستقبلًا، عن عيادته وعبادتهم، بأوجز لفظ وأخصَرِه وأبيَنِهِ، وهذا إن شاء الله أحسن ما قيل فيها، فلنقتصر عليه ولا٢ نتعداه إلى غيره، فإن الوجوه التي٣ قيلت في مواضعها، فعليك بها.
وأما المسألة الثالثة وهي: تكرير الفعل٤ بلفظ المستقبل حين أخبر عن نفسه (ظ/٣٩ ب)، وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم.
ففي ذلك سرٌّ وهو: الإشارة والإيماء إلى عِصمة الله له عن الزيغ
(١) "كان من" سقطت من (ق).
(٢) سقطت من (ظ ود).
(٣) ليست في (ق).
(٤) سقطت من (ظ ود).
والانحراف عن عبادة معبوده والاستبدال به غيره، وأن معبوده واحد في الحال والمآل على الدوام، لا يرضى به بدلًا ولا يبغي عنه حِوَلًا، بخلاف الكافرين، فإنهم يعبدون أهواءَهم، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم، فهم بصَدَد أن يعبدوا اليوم معبودًا وغدًا غيره، فقال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، يعني: الآن، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٣﴾ أنا الآن -أيضًا- ثم قال: (ق/ ٥٤ أ) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ٤﴾ يعني: ولا أنا فيما يُسْتَقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون. وأشبهت "ما" هنا رائحةُ الشرط، فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي، وهو مستقبل في المعنى، كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط، كأنه يقول: "مهما عبدتم من شيءٍ فلا أعبده أنا".
فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط وقد عمل فيها الفعل، ولا جواب لها، وهى موصولة فما أبعد الشرط منها؟!.
قلنا: لم نقل أنها شرط نفسُها، ولكن فيها رائحة منه وطرف من معناه؟ لوقوعها على غير معَيَّن وإبهامها في المعبودات وعمومها، وأنت إذا ذقت معنى هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديًا على صفحاته. فإذا قلت لرجلٍ ما -تخالفه في كل ما يفعل-: أنا لا أفعل ما تفعل، ألستَ ترى معنى الشرط قائمًا قي كلامِكَ وقصدك؟ وأن روح هذا الكلام: مهما فعلتَ من شيءٍ فإني لا أفعله. وتأمل ذلك في "مَنْ"، مثل قوله تعالى: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ٢٩﴾[مريم: ٢٩] كيف تجد معنى الشرطية فيه حتى١ وقع الفعل بعد "مَنْ" بلفظ الماضي، والمراد به المستقبل، وأن المعنى: مَنْ كان في المهد