والانحراف عن عبادة معبوده والاستبدال به غيره، وأن معبوده واحد في الحال والمآل على الدوام، لا يرضى به بدلًا ولا يبغي عنه حِوَلًا، بخلاف الكافرين، فإنهم يعبدون أهواءَهم، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم، فهم بصَدَد أن يعبدوا اليوم معبودًا وغدًا غيره، فقال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، يعني: الآن، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٣﴾ أنا الآن -أيضًا- ثم قال: (ق/ ٥٤ أ) ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ٤﴾ يعني: ولا أنا فيما يُسْتَقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون. وأشبهت "ما" هنا رائحةُ الشرط، فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي، وهو مستقبل في المعنى، كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط، كأنه يقول: "مهما عبدتم من شيءٍ فلا أعبده أنا".
فإن قيل: وكيف يكون فيها الشرط وقد عمل فيها الفعل، ولا جواب لها، وهى موصولة فما أبعد الشرط منها؟!.
قلنا: لم نقل أنها شرط نفسُها، ولكن فيها رائحة منه وطرف من معناه؟ لوقوعها على غير معَيَّن وإبهامها في المعبودات وعمومها، وأنت إذا ذقت معنى هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديًا على صفحاته. فإذا قلت لرجلٍ ما -تخالفه في كل ما يفعل-: أنا لا أفعل ما تفعل، ألستَ ترى معنى الشرط قائمًا قي كلامِكَ وقصدك؟ وأن روح هذا الكلام: مهما فعلتَ من شيءٍ فإني لا أفعله. وتأمل ذلك في "مَنْ"، مثل قوله تعالى: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ٢٩﴾[مريم: ٢٩] كيف تجد معنى الشرطية فيه حتى١ وقع الفعل بعد "مَنْ" بلفظ الماضي، والمراد به المستقبل، وأن المعنى: مَنْ كان في المهد
(١) (ق) "معنى الشرط فيه حين".
صبيًا فكيف نكلمه؟ في هذا هو المعنى الذي حامَ حوله من قال من المفسرين والمعربين: إن "كان" هنا١ بمعنى يكون، لكنهم لم يأتوا إله من بابه، بل ألقوه عُطْلًا من تقدير وتنزيل، وعزب عن٢ فهم غيرهم هذا للُطْفه ودقَّته، فقالوا: "كان" زائدة، والوجه ما أخبرتك به، فخده عَفْوًا، لك غُنمه٣ وعلى سِوَاك غرمه، هذا مع أن "مَن"٤ في الآية قد عمل فيها الفعل، وليس لها جواب، ومعنى الشرطية قائم فيها، فكذلك في قوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ٤﴾، وهذا كلُّه مفهومٌ من كلام فحول النحاة، كالزَّجَّاج٥ وغيره.
فإذا ثبت هذا، فقد وضَحَت٦ الحكمة التي من أجلها جاء الفعل بلفظ الماضى من قوله: ﴿وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ ٤﴾، بخلاف قوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ٥﴾، لبعد "ما" فيها عن معنى الشرط؛ تنبيهًا من الله على عصمة نبيه أن يكون له معبود سواه، وأن يتنقل في المعبودات تنقل الكافرين.
وأما المسألة الرابعة وهي: أنه لم يأتِ النفي في حقهم إلا باسم الفاعل، وفي جهته جاء بالفعل المستقبل تارةً وباسم الفاعل أُخرى، فذلك -والله أعلم- لحكمة بديعة، وهى: أن المقصود الأعظم براءته من معبوديهم بكل وجه وفي كل وقت، فأتى أولًا بصيغة الفعل الدالة
(١) (ظ ود): "أنه كان نبيًّا".
(٢) من (ق).
(٣) (ظ): "عزمه".
(٤) (ظ): "هل على من"!.
(٥) هو: إبراهيم بن السَّريّ بن سهل، أبو إسحاق الزجَّاج النحوي ت (٣١١). انظر: "معجم الأدباء": (١/ ١٣٠)، و"إنباه الرواة": (١/ ١٩٤).