لم يكن الاستكراه الذي أشار إليه من جهة الإبهام والتعيين؛ فتأمَّلْه.
وأما: "طالما يقوم زيد، وقلَّما يأتي عَمْرو"، فـ "ما" هنا واقعة على الزمان، والفعلُ بعدها متعدٍّ إلى ضميره بحرف الجر، والتقدير: طالَ زمان يقوم فيه زيد، وقلَّ زمان يأتينا فيه عَمْرو، ثم (ظ/٤٢ ب) حُذِف الضميرُ فسقط الحرفُ، هذا تقدير طائفة من النحاة، منهم السُّهَيلي١ وغيره.
ويحتمل عندي تقديرين آخرين هما أحسنُ من هذا:
أحدهما: أن تكون مصدرية وقتية، والتقدير: "طالَ قيامُ زيد، وقلَّ إتيان عَمْرو". وإنما كان هذا أحسن، لأن حذفَ العائد من الصفة٢ قبيح، بخلاف حذفه إذا لم يكن عائدًا على شيءٍ فإنه أسهل، وإذا جُعِلَت مصدرية؛ كان حذف الضمير حذف فضلة غير عائد على موصوف.
والتقدير الثالث: -وهو أحسنها- أن "ما" هاهنا مُهَيئة لدخول الفعل على الفعل ليست مصدرية ولا نكرة، وإنما أُتي بها لتكون مُهَيِّئة لدخول "طال " على الفعل، فإنك لو قلتَ: "طال يقوم زيد، وقلّ يجيء عَمْرو" لم يجز، فإذا أدخلت "ما" استقام الكلام، وهذا كما دخلت على "رُبَّ" مُهَيئة لدخولها على الفعل، نحو قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ٢﴾[الحجر: ٢]، وكما دخلت على "إن" مُهَيئة لدخولها على الفعل نحو: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[فاطر: ٢٨]، فإذا عرفتَ هذا؛ فقول النبيِّ ﷺ: "صَلُّوا كَمَاْ
(١) في "نتائج الفكر": (ص/ ١٨٧).
(٢) (ق): "الصلة"!.
رَأيْتُمُوْني أُصَلِّي"١ هو من هذا الباب، ودخلَتْ "ما" بين كاف التشبيه وبين الفعل مُهَيئة لدخولها عليه، فهي كافة للخافض ومُهَيئة له أن تقع بعد الفعل، وهذا قد خَفِي على أكثر٢ النحاة حتى ظن كثير منهم أن "ما" هاهنا مصدرية، وليس كما ظن؛ فإنه لم يقع التشبيه هنا بالرؤية، وأنت لو صرحت بالمصدر هنا؛ لم يكن كلامًا صحيحًا، فإنه لو قيل: صلوا كرؤيتكم صلاتي، لم يكن مطابقًا للمعنى المقصود، فلو قيل: إنها موصولة والعائد محذوف، والتقدير: صلوا كالتي رأيتموني أصلي، أي؛ كالصلوات التي رأيتموني أصليها؛ كان أقربَ من المصدرية على كراهته، فالصواب ما ذكرتُه لك.
ونظير هذه المسألة قوله ﷺ (ق/ ٥٨ أ)، للصدِّيق: "كما أنت"٣، فأنت مبتدأ والخبر محذوف، فلا مصدر هنا إذ لا فعل، فمن قال: إنها مصدرية فقط غَلِط، وإنما هى مُهَيئة لدخول الكاف على ضمير الرفع، والمعنى: كما أنت صانع أو كما أنت مُصَلٍّ، فَدُم على حالتك.
ونظير ذلك -أيضًا- وقوعها بين "بعد" والفعل، نحو قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾[التوبة: ١١٧]، ليست مصدرية كما زعم أكثر النحاة، بل هى مهيئة لدخول "بعد" على فعل "كاد"؛ إذ لا يُصَاغ من "كاد" و"ما" مصدر إلا أن يتجشم له فعلٌ بمعناه يُسْبَك منها، ومن ذلك الفعل مصدر، وعلى ما قررناه لا
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٣١) من حديث مالك بن الحويرث ﵁ وأصله في مسلم رقم (٦٧٤).
(٢) (ق): "على كثير من".
(٣) أخرجه البخاري رقم (٦٨٣)، ومسلم: (١/ ٣١٤ رقم ٩٧) من حديث عائشة ﵂.