أفلا تراها هاهنا حيث لا فعل ولا مصدر أصلًا٣، فهي كقوله: "كما أنت" مهيئة لدخول "بعد" على الجملة الابتدائية؛ ولكن الخبر في البيت مذكور، وهو قي قوله: "كما أنت" محذوف.
فإن قلت: فما بالهم لم يدخلوه في "قبل" كافة لها مهيئة لدخولها على الفعل: والجملة، فيقولون: "قبلما يقومُ زيد، وقبلما زيدٌ قائم".
قلت: لا تكون "ما" كافة لأسماء الإضافة، وإنما تكون كافة للحروف وما ضارعها٤، و"بعد" أَشدُّ مضارعة للحروف من "قبل"؛ لأن "قبل" كالمصدر في لفظها ومعناها، كما٥ تقول: "جئتُ قبل الجمعة"، تريد: الوقتَ الذي تستقبل في الجمعة٦، فالجمعة بالإضافة إلى ذلك الوقت قابلة، كما قال الشاعر:
* نَحُجُّ مَعًا قالت: أَعامًا وقابِله٧ *
(١) "لا يحتاج" سقطت من (ظ ود).
(٢) هو: المرار بن سعيد الفقعسي. والبيت من شواهد "الكتاب"، و"مغني اللبيب" رقم (٥١٥).
(٣) ليست في (ق).
(٤) من (ق).
(٥) من (ق).
(٦) "الجمعة" سقطت من (ظ ود)، و(ق): "فيه الجمعة".
(٧) صدره: * فقلت: امكثي حتى يسار لعلنا *. والبيت من شواهد: "الكتاب": (٢/ ٣٩) غير معروف القائل.
فإذا كان العامُ الذي بعد عامك يُسَمَّى: قابلًا، فعامك الذي أنت فيه١ (ظ/٤٣ أ) قبل، ولفظه من لفظى قابل، فقد بان لك من جهةِ اللفظ والمعنى أن "قل" مصدر في الأصل، والمصدرُ كسائر الأسماء لا يكَفُّ به، ولا يُهَيأ لدخول الجمل بعده، وإنما ذلك في بعض الحروف العوامل، لا في شيءٍ من الأسماء. وأما "بعدُ"؛ فهي أبعد عن شبه المصدر، وإن كانت تقرب من لفظ [البُعد] ومن معناه، فليس قربها من لفظ المصدر كقرب "قبل"، ألا ترى أنهم لم يستعملوا من لفظها اسمَ فاعل، فيقولون للعام الماضي: الباعد، كما قالوا للمستقبل: القابل.
فإن قلت٢: فما تقول في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾[البقرة: ١٥١] وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾[البقرة: ١٩٨] وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ﴾[القصص: ٧٧]؛ فإنها لا يمتنع فيها تقدير المصدر في هذه المواضع كلِّها، فهل هي كافة٣ مُهَيئة أو مصدرية؟.
قلت: التحقيق أنها كافة لحرف التشبيه عن عمله، مُهَيئة لدخوله على الفعل، ومع هذا فالمصدر ملحوظ فيها وإن لم تكن مصدريةً مَحْضة، ويدل على أن "ما" لا تقع مصدرية على حَدِّ "أنْ": أنك تجدها لا تصلح في موضع تصلح فيه "أنْ"، فإذا قلتَ: "أريد أن تقوم" كان مستقيمًا، فلو قلتَ: "أريدُ ما تقوم" (ق/٥٨ ب) لم يستقِمْ، وكذلك: "أحب أن تأتيني"، لا تقول في٤ موضعه: "أحب ما تأتيني ".