بدائع الفوائد

الأشياع، أي: الأتباع، فالفرق بين الشِّيْعَة والأشْياع: أن الأشياع هم التَّبَع، والشيعة القوم الذين تشايعوا، أي: تَبعَ بعضُهم بعضًا وغالب ما يُسْتَعمل في الذمّ، ولعله لم يرد في القرآن إلا كذلك، كهذه الآية وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] وقوله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [سبأ: ٥٤]. وذلك -والله أعلم- لما في لفظ "الشِّيْعة" من الشِّياع والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع؛ ولهذا لا يُطلق لفظ "الشِّيَع" إلا على فِرَق الضلال؛ لتفرقهم واختلافهم، والمعنى: لننزِعَنَّ من كلِّ فرقةٍ أشدهم عُتوًّا على الله وأعظمهم فسادًا فنلقيهم في النار، وفيه إشارة إلى أن العذاب يتوجه إلى السادات أولًا١، ثم تكون الأتباعُ تبعًا لهم فيه، كما كانوا تبعًا لهم في الدنيا.

و﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ للنحاة فيه أقوال:

أحدها: قول الخليل: إنه مبتدأ، وأشد خبره ولم يعمل "لننزعن" فيه؛ لأنه محكي، والتقدير: الذي يقال فيه: أيهم أشدُّ على الرحمن عِتيًّا، وعلى هذا فأيّ استفهامية.

الثانى: قول يونس: إنه رُفِعَ على جهة التعليق للفعل السابق، كما لو قلتَ: علمت أَيّهم أخوك، فعلَّق الفعلَ عن الفعل كما تعلق أفعال القلوب.

الثالث: قول سيبويه: إن "أي" هنا موصولة مبنية على الضم، والمسوِّغِّ لبنائها حذفُ صَدْر صِلَتها، وعنده أصل الكلام: أَيّهم هو أشد، فلما حذف صدر الصلة بُنِيَت على الضَّم تشبيهًا لها بالغايات

  1. (١) ليست في (ق).
273

التي قد حذفت١ مضافاته كـ "قبل" و"بعد"، وعلى كلِّ واحد من الأقوال إشكالات نذكرها ثم (ق/٦٢ ب) نبين الصحيحَ إن شاءَ الله.

فأما قول الخليل: فقيل يلزمه ستة أمور:

أحدها: حَذْف الموصول.

الثاني: حَذف الصلة.

الثالث: حَذْف العائد؛ لأن تقديره: الذين يقال لهم: أيّهم٢ أشد، وهذا لا عهد لنا فيه باللغة. وأما ما يحذف من القول فإنه إنما يكون قولًا مجردًا عن كونه صلة لموصول نحو قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣] أي: يقولون أو قائلين. ومثله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].

الرابع: أنه إدْا قُدِّر المحذوفُ هكذا لم يستقِم الكلام، فإنه يصير: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الذين يقال فيهم: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، وهذا فاسد، فإن ذلك المنزوع لا يقال فيه: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾، بل هو نفسه أشدّ أو مِن أَشدِّ الشيعة على الرحمن، فلا يقع عليه الاستفهام بعد نزعه، فتأمَّلْه.

الخامس: أن الاستفهامَ لا يقعُ إلا بعد أفعال العلم والقول على الحكاية، ولا يقع بعد: غيره من الأفعال، تقول: "علمتُ أزيد عندك أم عَمْرو"، ولو قلت: "ضربتُ أزيد أم عَمْرو"، لم يجز، و"ننزِعَنَّ" ليس من أفعال العلم.

  1. (١) (ق): "صدقت".
  2. (٢) (ق): "يقال: أيهم".
274

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي