يجوز أن تقول: "ضربتُ أيهم قام"، على أن تكون "أيهم" استفهامًا، وقد عُلِّق الفعل عن العمل فيه.
وأما قول سيبويه، فإشكاله أنه بناء خارجٌ عن النظائر، ولم يوجد في اللغة شاهد له.
قال السهيلي١: ما ذكره سيبويه لو استشهد عليه بشاهدٍ من نظمٍ أو نثر، أو وجدنا بعده في كلام فصيح شاهدًا له لم نعدل به قولًا، ولا رأينا لغيره عليه طَولًا؛ ولكنا لم نجدْ ما بُنيَ لمخالفته٢ غيره، لاسيما مثل هذه المخالفة؛ فإنا لا نسلم أنه حُذِف من الكلام شيءٌ.
وإن قال: إنه حذف ولا بُد، والتقدير: أيهم هو أخوك؟.
فيقال: لِمَ٣ لَمْ يبنوا في النكرة، فيقولوا: "مررتُ برجلُ أخوك، أو: رأيت رجلُ أبوك"، أي هو أخوك وأبوك، ولم خصوا "أيًّا" بهذا دون سائر الأسماء أن يحذف من صلته ثم يبني للحذف؟ ومتى وجدنا شيئًا من الجملة يُحْذف ثم يَبْنى الموصوف بالجملة من أجل ذلك الحذف؟ وذلك الحذف لا يجعله متضمنًا لمعنى الحرف ولا مضارعًا: له. وهذه علة البناء وقد عدمت في "أي".
قال: والمختار قول الخليل، لكنه يحتاج إلى شرح، وذلك أنه لم يرد بالحكاية ما يسبق إلى الوهم٤ من تقدير معنى القول؛ ولكنه
(١) "نتائج الفكر": (ص/ ١٩٨).
(٢) العبارة محرفة فى (ظ).
(٣) (ق): "له".
(٤) (ظ ود): "الفهم".
أراد حكاية لفظ الاستفهام الذي هو أصل في "أي" كما تحكيه بعد العلم إذا قلت: "قد علمتُ من أخوك"؟ و: "أقامَ زيد أم قَعَد"؟ فقد تركت الكلام على حاله قبل دخول الفعل، لبقاء معنى الاختصاص والتعيين في "أي" الذي كان موجودًا فيها وهي استفهام؛ لأن ذلك المعنى هو الذي وُضِعَت له استفهامًا كانت أو خبرًا، كما حكوا لفظ النداء في قولهم: "اللهم اغفر لي أيها الرجل" و"أرحمنا أيتها العصابة"، فنحكي لفظ هذا إشعارًا بالتعيين والاختصاص الموجود في حال النداء. وكذلك هذا، حكيت حاله في الاستفهام وإن ذهب الاستفهام، كما حكيتَ حاله في النداء وإن ذهبَ النداء١، لوجود معنى الاختصاص والتعيين فيه.
قال: وقول يونس: "إن الفعل ملغًى" حق، وإن لم يكن من أفعال القلب، وعِلَّة إلغائه ما قدمناه من حكاية لفظ الاستفهام للاختصاص.
فإذا أتممت لفظ الصِّلة٢ وقلت: "ضربت أيهم هو٣ أخوك"، زالت مضارعة الاستفهام، وغلبَ فيه معنى الخبر (ظ/ ٤٧ أ) لوجود الصِّلة التامة بعده.
قال: وأما قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾[الشعراء: ٢٢٧] وإجماعهم على أنها منصوبة بـ "ينقلبون" لا بـ "سيعلم". وقد كان يتصوَّر فيها أن تكون منصوبة بـ "سيعلم" (ق/٦٣ ب) على جهة الاستفهام، ولكن تكون موصولة، والجملة صِلَتها، والعائد محذوف.
(١) من قوله: "وكذلك هذا .. " إلى هنا ساقط من (ظ ود).