ولكن مَنَعَ من هذا أصلٌ أصَّلْناه، ودليل أقمناه على أن الاسم الموصول إذا عُنِي به المصدر، ووصل بفعل مشتق من ذلك المصدر، لم يجز؛ لعدم الفائدة المطلوبة من الصلة، وهي: إيضاح الموصول وتبيينه، والمصدر لا يوضح فعله١ المشتق من لفظه؛ لأنه كأنه هو لفظًا ومعنًى، إلا في المختلف الأنواع كما تقدم.
قال: ووجه آخر أقوى من هذا، وهو: أن "أيًّا" لا تكون بمعنى "الذي" حتى تُضَاف إلى معرفة، فتقول: "لقيت أيهم في الدار"، إذ من المحال أن يكون بمعنى "الذي" وهو نكرة، و"الذي" لا يُنكَّر، وهذا أصل يُبْنَى عليه في "أَي".
فائدة: فصلٌ في تحقيق معنى "أَي"٢:
وهو أن لفظ "ألف" و"ياء" مكرَّرة راجع في جميع الكلام إلى معنى التعيين والتمييز للشيء من غيره، فمنه: "إياة الشمس"، لضوئها؛ لأنه يبينها ويميزها من غيرها، ومنه: الآية: العلامة، ومنه: خرج القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم التي يتميَّزون بها عن غيرهم، ومنه: تأيَّيتَ بالمكان، أي: تَلَبَّثْتَ لتتبيَّنَ شيئًا أو تُميِّزه. ومنه قول امرئِ القيس:
(١) كذا في الأصول و"النتائج" والأولى: "بفعلها" كما أثبت محققه.
(٢) "نتائج الفكر": (ص ٢٠٠ - ٢٠٢).
(٣) البيت لامرئ القيس بن عابس الكندي، صحابى، انظره في "الشعر والشعراء": (ص/ ٢٩٠)، و"الاستيعاب": (١/ ١٠٦ - بهامش الإصابة)، و"الإصابة" (١/ ٦٤). وفيها: "غير آيِسْ".
وقال الكُمَيْت:
* وتأيَّ إِنَّكَ غَيْرُ صَاغِرْ١ *
ومنه "إياكَ" في المضمرات، لأنه في أكثر الكلام مفعول مقدم، والمفعول إنما يتقدم على فعله قصدًا إلى تعيينه، وحرصًا على تمييزه٢ من غيره، وصرفًا للذِّهن عن الذهاب إلى غيره، ولذلك تقدم في: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ إذ الكلام وارد في معرض الإخلاص وتحقيق الوحدانية ونفي عوارض الأوهام عن التعلق بغيره، ولهذا اختصت "أي" بنداء ما فيه "الألف واللام" تمييزًا له وتعيينًا، وكذلك٣: أَي زيد، ومنه: إياك المراءَ والأسدَ٤، أي: مَيِّز نفسك وأَخْلصها عنه، ومنه: وقوع "أي" تفسيرًا، كقولك: "عندي عِهن"، أي: صُوْف.
وأما وقوعها نعتًا لما قبلها، نحو: "مررت برجلٍ أَيُّ رجل"، فإنما تدرَّجْتَ إلى الصفةِ من٥ الاستفهام، كأن الأصل: أيُّ رجل هو؟ على الاستفهام الذي يراد به التفخيم والتهويل، وإنما دخله التفخيم؛ لأنهم يريدون إظهار العجز والإحاطة لوصفه، فكأنه مما
(١) وصدره كما في "ديوانه": (١/ ٢٢٥): * قِفْ بالدِّيارِ وُقُوفَ زَائِرْ * وانظر: "الشعر والشعراء": (ص/ ٢٩٠)، وقال: إنه كان يسرق الشعر، وهذا البيت مما سوقه من امرئ القيس وغيَّر القافية.
(٢) (ق): "تميزه" و"النتائج": "تبيينه".
(٣) العبارة في "النتائج": "ولذلك صُيّر بعض لفظها حرفًا من حروف النداء في قولك: ... ".
(٤) (ق): "المراد الأسد" ولعل ابن القيم أراد الشاهد: فإياك إياك المراء فإنه ...، وقوله: والأسد، أي: وإياك الأسدَ.