يُسْتَفهم عنه إذ١ يُجْهَلُ كُنْهُه. فأدخلوه في باب الاستفهام الذي هو موضوعٌ لما يجْهَل. لذلك جاء: ﴿الْقَارِعَةُ ١ مَا الْقَارِعَةُ ٢﴾[القارعة: ١ - ٢] و﴿الْحَاقَّةُ ١ مَا الْحَاقَّةُ ٢﴾[الحاقة: ١ - ٢] أي: إنها لا يُحَاطُ بوصفها، فلما ثبتَ هذا اللفظ في باب التفخيم والتعظيم للشيء قَرُبَ من الوصف، حتى أَدْخلوه في باب النعت، وأَجْرَوه في باب الإعراب عن ما (ق/٦٤ أ) قبله. ومنه:
* جَاءُوا بِمَذقٍ هَلْ رَأيْتَ الذِّئْبَ قَطْ *٢
أي: فإنه في لون الذئب، إن كنتَ رأيتَ الذئب.
ومنه: "مررت بفارس هل رأيتَ الأسد"، وهذا التقدير أحسن من قول بعض النحويين: إنه معمول وصف مقدر، وهو قول محذوف أي: مقول٣ فيه: هل رأيتَ كذا، وما ذكرتُه لكَ أحسن وأَبْلَغ فتأمله.
فائدة جليلة
ما يجرى صفةً أو: خبرًا على الربِّ ﵎ أقسامٌ:
أحدها: ما يرجع: إلى نفسِ الذات، كقولك: ذاتٌ، وموجودٌ، وشيءٌ.
(١) سقطت من (ط ود).
(٢) صدره: * حتَّى إذا جَنَّ الظَّلامُ واخْتَلَطْ * واختلف في نِسبته، انظر "الإنصاف" شاهد رقم (٦٦)، و"اللسان": (١٠/ ٣٤٠). و"الكامل": (٢/ ١٠٥٤). والمَذْق: اللبن الممزوج بالحاء.
(٣) (ق): "مفعول".
الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية؛ كالعليم، والقدير، والسميع.
الثالث: ما يرجع (ظ/ ٤٧ ب) إلى أفعاله، نحو: الخالق والرزاق١.
الرابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض، ولابد من تضمنه ثبوتًا؛ إذ لا كمال في العَدَم المحض؛ كالقدوس السلام.
الخامس: ولم يذكره أكثر الناس، وهو: الاسم الدالُّ على جملة أوصافٍ عديدة لا تختص بصفة معينة، بل هو٢ دال على مَعَانٍ لا على معنًى مفرد، نحو: المجيد، العظيم، الصمد، فإنَّ المجيد: من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدلُّ على هذا، فإنه موضوع للسَّعَة والكثرة والزيادة، فمنه: "اسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ"٣، وأمجد الناقة علفًا. ومنه: رب العَرْشِ المَجِيدِ، صفة للعرش لِسَعَته وعِظَمه وشَرَفِه.
وتأمل كيف جاء هذا الاسم مقترنًا بطلب الصَّلاة من الله على رسوله كما علمناه ﷺ لأنه في مقام طلب المزيد والتعرُّض لسَعَة العطاء وكثرته ودوامِهِ، فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه، كما تقول: "اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم"، ولا يحسن: "إنك أنت السميع البصير"، فهو راجع إلى المتَوَسَّل إليه بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه.
(١) (د): "الرازق".
(٢) ليست في (ق).
(٣) المَرخ والعفار: نوع من الشجر، سريع الوَرْي، ويقال في المثل: "لكلُ شجر نارٌ، واسْتَمْجَد المرخُ والعَفَار". انظر: "القاموس": (ص/ ٣٣٢، ٥٦٨).