ومنه الحديث الذي في "المسند"١ والترمذي٢: "أَلِظُّوا بيَاذَا الجَلالِ والإكْرَامِ"٣ ومنه: "اللهم إِني أسْأَلُكَ بأنَّ لَكَ الحمد لا إِله إِلا أَنْتَ المنَّانُ بَدِيْعُ السَّمواتِ والأَرْضِ يَاذَا الجَلالِ والإِكرَامِ"٤، فهذا سؤالٌ له وتوسُّل إليه بحمده٥ وأنه الذي٦ لا إله إلا هو المنَّان، فهو توسُّل إليه بأسمائه وصفاته، وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعًا عند المسؤول، وهذا بابٌ عظيم من أبواب التوحيد أشرنا إليه إشارة، وقد فتح لمن بَصَّرَهُ الله.
ولنرجع إلى المقصود، وهو وصفه -تعالى- بالاسم المتضمِّن لصفات عديدة؛ فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال. وكذلك الصمد، قال ابن عباس٧: هو السيِّد الذي كَمُل في سؤدده. وقال أبو وائل: هو (ق/ ٦٤ ب) السيد الذي انتهى سؤدده. وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد، وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السُّؤدد فقد صَمَد له كلُّ شيءٍ.
(١) (٤/ ١٧٧) من حديث ربيعة بن عامر ﵁.
(٢) رقم (٣٥٢٥) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٣) وجاء الحديث من رواية أبي هريرة وابن عمر، والحديث يصحّ بمجموع طرقه، وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف": (٣/ ٣٩٥ - ٣٩٦)، و"الكاف الشاف": (٤/ ١٦٢ - مع الكشاف).
(٤) أخرجه أبو داود رقم (١٤٩٥)، والنسائي: (٣/ ٥٢)، وأحمد: (١٥٨/ ٣) وغيرهم، من حديث أنسٍ ﵁. والحديث صححه: ابن حبان رقم (٨٩٣)، والضياء في "المختارة": رقم (١٨٨٥).
وقال ابن الأنباري١: "لا خلاف بين أهل اللغة، أن الصَّمد السيد الذي ليس فوقه أحد، الذي يَصْمُد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم". واشتقاقه يدلُّ على هذا، فإنه من الجمع والقصد فهو الذي اجتمع القصد نحوه، واجتمعت فيه صفاتُ السؤدد، وهذا أصله في اللغة٢ كما قال:
ألا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرَي بَني أَسَدْبعَمْروِ بنِ يَرْبوعٍ وبالسَّيِّدِ الصَّمَدْ٣
السادس: صفهَ تحصل من اقتران٤ أحد الاسمين والوصفين بالآخر، وذلك قدرٌ زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو٥ القدير، الحميد المجيد، وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنيَّ صفة كمالٍ، والحمد كذلك، واجتماع الغِنَى مع الحَمْد كمالٌ آخر، فله ثناءٌ من غِناه، وثناءٌ من حَمْده، وثناءٌ من اجتماعهما. وكذلك: العفو القدير، والحميد المجيد٦، والعزيز الحكيم؛ فتأمله فإنه من أشرف المعارف.
وأما صفات السَّلْب المَحْض؛ فلا تدخل في أوصافه -تعالى- إلا أن تكون متضمِّنة لثبوتٍ؟؛ كـ "الأحد" المتضمن لانفراده بالرُّبوبية
(١) في كتابه "الزاهر في معاني كلمات الناس": (١/ ٨٣).
(٢) "في اللغة" ليست في (ق).
(٣) نُسِب لغير واحد وانظر هامش "الزاهر" رقم (٤٦).
(٤) (ق ود): "صفة في اقتران ... ".
(٥) (ق): "الغفور".
(٦) من قوله: "وهكذا عامة الصفات ... " إلى هنا ساقط من (د).