بدائع الفوائد

يمكن إثباته للمخلوق، فإذا أحطت بهذه القاعدة خُبْرًا وعَقَلْتَها كما ينبغي خَلَصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين: آفة التعطيل، وآفة التشبيه، فإنك إذا وَفَّيت هذا المقام حقَّه من التصور أثبتَّ لله الأسماء الحسنى والصفات العُلَى حقيقة، فخلصت من التعطيل، ونفيتَ عنها خصائصَ المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبَّر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب.

الخامس عشر: أنَّ الصفة متى قامت بموصوفٍ لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان وأمران معنويان.

فاللفظيان: ثُبُوتي وسَلْبي، فالثبوتي: أن يُشتق للموصوف منها اسم، والسَّلْبي: أن يمتنع لاشتقاق لغيره.

والمعنويان: ثبوتي وسلبي، فالثبوتي: أن يعود حكمها إلى الموصوف ويخبر بها عنه١، والسلبي: أنه لا يعود حكمُها إلى غيره، ولا يكون خَبَرًا عنه.

وهذه قاعدة عظيمة في معرفة الأسماء والصفات، فلنذكر من ذلك مثالًا واحدًا وهى: صفة الكلام، فإنها إذا قامت بمحلٍّ كان هو المتكلِّم دون من لم تقم به، وأخبر عنه بها، وعاد حكمها إليه دون غيره، (ق/ ٦٧ أ) فيقال: قال وأمر ونهى ونادى وناجى وأخير وخاطب وتكلم وكلَّم، ونحو ذلك، وامتنعت هذه الأحكام لغيره، فيستدل بهذه الأحكام والأسماء على قيام الصفة به وسلبها عن غيره وعلى عدم قيامِها به، وهذا هو أصل السنة الذي ردُّوا به على المعتزلة والجهميةَ، وهو

  1. (١) (ظ ود): "أنه يعود حكمها ويخبر ... ".
292

من أصح الأصول طَرْدًا وعَكْسًا.

السادس عشر: أنَّ الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تُحَد بعدد١، فإن لله -تعالى- أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل، كما في الحديث الصحيح: "أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ به نَفْسَكَ، أو أَنزَلْتَه في كتَابِكَ، أو أسْتأْثَرْتَ بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ"٢ فجعل أسماءَه ثلاثة أقسَام:

قِسْم: سَمَّى به نفسَه، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه.

وقسم: أنزل به كتابه فتعرَّفَ به إلى عباده.

وقسم: استأثرَ به في علمِ غيبه، فلم يُطْلِع عليه أحدًا من خلقه، ولهدا قال: "استأثرْتَ بهِ" أي: انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمِّي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه.

  1. (١) (ق) "ولا تعدد".
  2. (٢) أخرجه أحمد: (١/ ٣٩١)، وابن حبان: "الإحسان": (٣/ ٢٥٣) والحاكم: (١/ ٥٠٩)، وأبو يعلى رقم (٥٢٩٧)، والطبراني في "الكبير": (١٠/ ٢١٠).
    من طريق أبي سلمة الجُهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود﵁، به.
    وأبو سلمة ذكره الحافظ في "التعجيل": (ص/ ٤٩٠)، ونقل عن الأئمة أنه مجهول، واستظهر الشيخان: أحمد شاكر في "شرح المسند": (٥/ ٢٦٧) والألباني في "الصحيحة" رقم (١٩٨) أنه: موسى بن عبد الله الجهني، وهو ثقة، وتعقبهما المعلقون على "المسند - طبعة الرسالة": (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
    والحديث ضعفه الدارقطني في "العلل" (٥/ ٢٠١)، وصححه ابن حبان والحاكم.
293

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي