بدائع الفوائد

من أصح الأصول طَرْدًا وعَكْسًا.

السادس عشر: أنَّ الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تُحَد بعدد١، فإن لله -تعالى- أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها مَلَكٌ مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل، كما في الحديث الصحيح: "أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ به نَفْسَكَ، أو أَنزَلْتَه في كتَابِكَ، أو أسْتأْثَرْتَ بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ"٢ فجعل أسماءَه ثلاثة أقسَام:

قِسْم: سَمَّى به نفسَه، فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه.

وقسم: أنزل به كتابه فتعرَّفَ به إلى عباده.

وقسم: استأثرَ به في علمِ غيبه، فلم يُطْلِع عليه أحدًا من خلقه، ولهدا قال: "استأثرْتَ بهِ" أي: انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمِّي به؛ لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه.

  1. (١) (ق) "ولا تعدد".
  2. (٢) أخرجه أحمد: (١/ ٣٩١)، وابن حبان: "الإحسان": (٣/ ٢٥٣) والحاكم: (١/ ٥٠٩)، وأبو يعلى رقم (٥٢٩٧)، والطبراني في "الكبير": (١٠/ ٢١٠).
    من طريق أبي سلمة الجُهني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود﵁، به.
    وأبو سلمة ذكره الحافظ في "التعجيل": (ص/ ٤٩٠)، ونقل عن الأئمة أنه مجهول، واستظهر الشيخان: أحمد شاكر في "شرح المسند": (٥/ ٢٦٧) والألباني في "الصحيحة" رقم (١٩٨) أنه: موسى بن عبد الله الجهني، وهو ثقة، وتعقبهما المعلقون على "المسند - طبعة الرسالة": (٦/ ٢٤٧ - ٢٤٨).
    والحديث ضعفه الدارقطني في "العلل" (٥/ ٢٠١)، وصححه ابن حبان والحاكم.
293

ومن هذا قول النبي ﷺ في حديث الشفاعة: "فيفتحُ عليَّ من مَحامِدِه بما لا أُحْسِنُه الآن"١ وتلك المحامد هي٢ بأسمائه وصفاته ﵎. ومنه قوله ﷺ: "لا أُحْصِي ثناءً عليكَ أنتَ كما أثْنيْتَ على نَفْسِك"٣. وأما قوله ﷺ: "إنَّ لله تسعةً وتسعينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاها دَخَلَ الجنةَ"٤ فالكلامُ جملة واحدة. وقوله: "مَن أَحْصَاها دَخَلَ الجنْةَ" صفةٌ لا خبر مستقبل.

والمعنى: له أسماء متعددة، مِن شأنها أن من أحصاها دخل الجنة. وهذا لا ينفي أن يكون له تعالى أسماء غيرها. وهذا كما تقول: لفلان مئة مملوكٍ. قد أعدهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون الغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه.

السَّابع عشر: أن أسماءه -تعالى- منها ما يُطلق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره وهو غالب الأسماء، كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم، وهذا يسوغ (ظ/ ٥٠ أ) أن يدعى به مفردًا ومقترنًا بغيره، فتقول: يا عزيز يا حكيم، يا غفور يا رحيم، وأن يفرد كلُّ اسم، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه به٥ يسوغ لك الإفراد والجمع.

ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابله؛ كالمانع والضار والمنتقم، فلا يجوز أن يُفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرونٌ بالمعطي

  1. (١) أخرجه البخاري رقم (٤٤ - ومواضع أخرى)، ومسلم رقم (١٩٣) من حديث أنسٍ ﵁. ولفظه: "فأحمده بمجاهد لا أقدر عليها الآن".
  2. (٢) تحتمل قراءتها في (ظ): "تفي".
  3. (٣) أخرجه مسلم رقم (٤٨٦) وغيره من حديث عائشة﵂ -.
  4. (٤) أخرجه البخاري رقم (٢٧٣٦)، ومسلم رقم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
  5. (٥) (ظ ود): "وبه".
294

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي