منعوت، فَنَقِفُ عندما وقفوا، ونترك القياسَ إذا تركوا.
فائدة بديعة١
إذا نُعِتَ الاسم بصفة هي لسببه٢، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: -وهو الأصل- أن تقول: "مررتُ برجلِ حسنٌ أبوه" بالرفع٣؛ لأن الحُسْن ليس صفة له فيجري عليه، وإنما ذُكِرَت الجملة ليُمَيَّز بها بين الرجل وبين من ليس عنده أبٌ كأبيه، فلما تميز بالجملة من غيره صارت في موضع النعت. وتدرَّجوا من ذلك إلى أن قالوا: "حسنٍ أبوه"، بالجر٤، وأجْرَوه نعتًا على الأول، وإن كان للأب٥، من حيثُ تميز به وتخصص كما يتخصص بصفة نفسه.
والوجه الثالث: "مررت برجل حسنِ الأب"، فيصير نعتًا للأول، ويضمر فيه ما يعود عليه، حتى كأن الحُسْنَ له، وإنما فعلوا ذلك مبالغة وتقريبًا للسبب، وحذفًا للمضاف وهو الأب، وإقامة المضاف إليه مُقامه وهو الهاء، فلما قام الضمير مَقامَ الاسم المرفوع صار ضميرًا مرفوعًا، فاستتر في الفعل، فقلت: "برجل حسن"، ثم أضفته إلى السبب (ظ/ ٥٢ أ) الذي من أجله صار٦ حسنًا وهو الأب، ودخول الألف واللام على السبب إنما هي لبيان الجِنس.
(١) "نتائج الفِكر": (ص/ ٢١٠).
(٢) (ق ود): "كسبية"، و(ظ): "كسببه" والتصويب من "النتائج".
(٣) ليست في (ق).
(٤) هذا الوجه الثاني.
(٥) (ق ود): "الأب".
(٦) (ظ ود): "كان".
وهذا الوجه لا يجوز إلا في الموضع الذي يجوز١ فيه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وذلك غير مُطَّرد الجواز، وإنما يجوزُ حيث يقصدون المبالغة وتفخيم الأمر، وإن بَعُد السبب كان الجواز أبعدَ، كقولك: "نابح [كلب الجار]٢، وصاهل فرس العبد".
وما امتنع في هذا الفصل، فإنه يجوز في الفصل الذي قبله، من حيث لم يقيموا فيه مضافًا مقام المضاف إليه٣.
وإنما حكمنا باختلاف المعاني في هذه الوجوه الثلاثة، من حيثُ اختلفَ اللفظ فيها؛ لأن الأصل أن يختلف لفظان إلا لاختلاف معنًى، ولا يُحْكَم باتحادِ المعنى مع اختلاف اللفظ إلا بدليل. فمعنى الوجه الأول: تمييز الاسم من غيره بالجملة التي بعده. ومعنى الوجه الثاني: تمييز الاسم من غيره مع انجرار الوصف إليه بمدح أو ذم. ومعنى الوجه الثالث: نقل الصفة (ق/ ٧٠ أ) كلِّها إلى الأول على حذف المضاف مع تبيين السبب الذي صيره كذلك.
وأكثر ما يكون هذا الوجه فيما قرب سببُه جدًّا، نحو: "عظيم القَدْر، وشريف الأب"؛ لأن شَرَف الأب شرفٌ له، وكذلك القَدْر والوجه، وهاهنا يَحْسُن حذفُ المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه.
فائدة٤
إن قيل: لِمَ اكتسبَ المضاف التعريفَ من المضاف إليه، ولم
(١) (ق): "لا يجوز" تحريف.
(٢) في النسخ: "الكلب". والمثبت من "النتائج".
(٣) كذا في النسخ و"النتائج" وأصلحه محققه إلى: " ... فيه مضافًا إليه مُقام المضاف".