وهذا الوجه لا يجوز إلا في الموضع الذي يجوز١ فيه حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وذلك غير مُطَّرد الجواز، وإنما يجوزُ حيث يقصدون المبالغة وتفخيم الأمر، وإن بَعُد السبب كان الجواز أبعدَ، كقولك: "نابح [كلب الجار]٢، وصاهل فرس العبد".
وما امتنع في هذا الفصل، فإنه يجوز في الفصل الذي قبله، من حيث لم يقيموا فيه مضافًا مقام المضاف إليه٣.
وإنما حكمنا باختلاف المعاني في هذه الوجوه الثلاثة، من حيثُ اختلفَ اللفظ فيها؛ لأن الأصل أن يختلف لفظان إلا لاختلاف معنًى، ولا يُحْكَم باتحادِ المعنى مع اختلاف اللفظ إلا بدليل. فمعنى الوجه الأول: تمييز الاسم من غيره بالجملة التي بعده. ومعنى الوجه الثاني: تمييز الاسم من غيره مع انجرار الوصف إليه بمدح أو ذم. ومعنى الوجه الثالث: نقل الصفة (ق/ ٧٠ أ) كلِّها إلى الأول على حذف المضاف مع تبيين السبب الذي صيره كذلك.
وأكثر ما يكون هذا الوجه فيما قرب سببُه جدًّا، نحو: "عظيم القَدْر، وشريف الأب"؛ لأن شَرَف الأب شرفٌ له، وكذلك القَدْر والوجه، وهاهنا يَحْسُن حذفُ المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه.
فائدة٤
إن قيل: لِمَ اكتسبَ المضاف التعريفَ من المضاف إليه، ولم
(١) (ق): "لا يجوز" تحريف.
(٢) في النسخ: "الكلب". والمثبت من "النتائج".
(٣) كذا في النسخ و"النتائج" وأصلحه محققه إلى: " ... فيه مضافًا إليه مُقام المضاف".
(٤) "نتائج الفكر": (ص/ ٢١٦).
يكتسب المضافُ إليه التنكيرَ من المضاف؟ وهو مقدَّم عليه في اللفظ، لاسيما والتنكير أصل في الأسماء، والتعريف فرعٌ عليه؟.
قِيل: الجواب من وجهين:
أحدهما: أنهم قد غَلَّبوا حكم المعرفة على النكرة في غير هذا الموطن١، نحو: "هذا زيدٌ ورجلٌ ضاحِكَيْن"، على الحال. ولا يجوز: ضاحكان، على النعت، تغليبًا لحكم المعرفة؛ لأنهم رأوا الاسم المعرفة يدل على معنيين: الرجل وتعيينه، والشيء وتخصيصه من غيره، والنكرة لا تدل إلا على معنًى مفرد، فكان ما يدل على معنيين٢ أقوى مما يدل على معنًى واحد. وهذا أصل نافع٣ فَحَصِّلْهُ.
الثاني: أن المضاف إليه بمنزلة آلة التعريف، فصار كالألف واللام. ألا ترى أنك إذا قلتَ: غلام زيد، فهو بمنزلة قولك: الغلام، لمن تعرفه بذلك. وكذلك إذا قلتَ: كتاب سيبويه، فهو بمنزلة قولك: الكتاب، وكذلك إذا قلتَ: سلطان المسلمين، بمنزلة قولك: السلطان، فتعريفه باللام في أَوَّله، وتعريفه بالإضافة من آخره.
فإن قيل: فإذا اكتسب التعريفَ من المضاف إليه، فكان ينبغي أن يُعْطَى حكمه.
قيل: وإن استفاد منه التعريف، لم يستفد منه خصوصية تعريفه، وإنما اكتسب منه تحريفًا آخر كما اكتسب من لام التعريف. ألا ترى أنه إذا أُضِيْف إلى المُضْمَر لم يكتسب منه الإضمار، وإذا أُضِيْف إلى
(١) (ظ ود): "الموضع".
(٢) من قوله: "الرجل وتعيينه ... " إلى هنا ساقط من (ق).