المبهم لم يكتسب منه الإبهام، فلا الأولُ اقتبسَ من الثاني خصوصية تعريفه، ولا الثاني اقتبسَ من الأول تنكيْرَه، والمضاف إليه في ذلك كالآلة الدَّاخلة على الاسم.
فائدة
من كلام السهيلي١﵀: "الكلام هو تعبير عما في نفس المتكلِّم من المعاني، فإذا أَضمر ذلك المعنى في نفسه -أي: أخفاه- ودل (ظ/٥٢ ب) المخاطبَ عليه بلفظ خاص، سُمِّي ذلك اللفظ: ضميرًا، تسمية له باسم مدلوله. ولا يقال: فكان ينبغي أن يسمَّى كل لفظ ضميرًا على ما ذكرتم؛ لأن هنا مراتب ثلاثة:
أحدها: المعنى المضمر، وهو٢ حقيقة الرجل مثلًا.
والثاني: اللفظ المميز له عن غيره، وهو زيد وعَمْرو.
والثالث: اللفظ المعبِّر عن هذا الاسم الذي إذا أُطْلِق كان المراد به ذلك الاسم، بخلاف قولك: زيد وعَمْرو٣، فإنه ليس ثَمَّ إلا لفظ ومعنى، فخصُّوا (ق/ ٧٠ ب) اسم الضمير٤ بما ذكرناه. والمضمرات في كلامهم نحو ستين ضميرًا وأحوالها معلومة، لكن ننبه على أسرارها من أحكام المضمرات.
أعلم أن المتكلم لما استغنى عن اسمه الظاهر في حال الإخبار، لدلالة المشاهدة عليه، جعل مكانه لفظًا يومئ به إليه، وذلك اللفظ
(١) في "نتائج الفكر": (ص/٢١٨).
(٢) سقطت من (ظ ود).
(٣) من قوله: "والثالث: .... " إلى هنا ساقط من (د).
(٤) (ظ ود): "المصدر".
مؤلف من "همزة ونون"؟ أما الهمزة؛ فلأن مخرجها من الصدر، وهو أقرب مواضع الصوت إلى المتكلِّم، إذ المتكلم في الحقيقة محله وراء حبل الوريد. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ١٦﴾١[ق: ١٦]، ألا تراه يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ١٨﴾[ق: ١٨] يعني: ما يلفظ المتكلِّم، فدل على أن المتكلم أقرب شيءٍ إلى حبل الوريد، فإذا كان المتكلم على الحقيقة محله هناك، وأردت من الحروف ما يكون عبارة عنه، فأولاها بدلك ما كان مَخْرَجه من جهته، وأقرب المواضع إلى مَحَلِّه، وليس إلا "الهمزة أو الهاء"، والهمزة٢ أحق بالمتكلم لقوَّتها بالجهر والشدة وضعف الهاء بالخفاء، فكان ما هو أجهر وأَقْوى أَوْلى بالتعبير عن اسم المتكلِّم الذي الكلام صفة له، وهو أحقُّ بالاتصاف به.
وأما تآلفها مع النون؛ فلما كانت الهمزة بانفرادها لا تكون اسمًا منفصلًا، كان أولى ما وصلت به "النون" أو حروف المد واللين، إذ هي أمهات الزوائد، ولم تكن حروف المد مع "الهمزة" لذهابها عند التقاء الساكنين، نحو: أنا الرجل، فلو حُذِف الحرف الثاني لبقيت "الهمزة" في أكثر الكلام منفردة مع لام التعريف، فتلتبس بالألف التي هي أخت اللام، فيختل أكثرُ الكلام، فكان أولى ما قرن به "النون"؛ لقربها من حروف المد واللين، ثم بيَّنوا النون -لخفائها- بالألف في حال السكت، أو بـ "ها" في لغة من قال: إنه.
ثم لما كان المخاطب مشاركًا للمتكلم في معنى٣ الكلام؛ إذ