بدائع الفوائد

أكرمتك؛ لأنها كلام، والفعل وحده ليس كلامًا، فلذلك لم تكن علامة المضمر "كافًا" إلا بعد كلام من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر.

فإن قيل: (ظ/٥٣ ب) فالمتكلم أيضًا هو صاحب الكلام، فهو أحق بأن تكون الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة لاسمه١؟.

قيل: "الكاف" لفظ فهي أحق بالمخاطب؛ لأن الكلام إنما لُفِظَ به من أَجْلِه.

وأما ضمير الغائب المنفصِل٢ فـ "هاء" بعدها "واو"؛ لأن الغائب لما كان مذكورًا بالقلب، واستغنى عن اسمه الظاهِر بتقدمه، كانت الهاء التي مخرَجُها من الصَّدْر قريبًا من مَحلِّ الذكر، أولى بأن تكون عبارةً على مذكور بالقلب٣، ولم تكن "الهمزة"؛ لأنها مجهورة شديدة، فكانت أولى بالمتكلم الذي هو أظهر، والهاء -لخفائها- أولى بالغائب الذي هو أخْفَى وأبطن. ثم وُصِلَت بالواو؛ لأنه لفظ يُرْمَز به إلى المخاطَب، ليُعْلَم ما في النفس من مذكور، والرمز بالشفتين، والواو مخرجها من هناك، فخُصَّت بذلك.

ثم طردوا أصلهم في ضمير الغائب المنفرد فجعلوه في جميع أحواله "هاءً"؛ إلا في الرفع، وإنما فعلوا ذلك لأنهم رأوا الفرقَ بين الحالات واقعًا باختلاف حال الضمير؛ لأنه إذا دخل عليها حرف الجر كسرت "الهاء" وانقلبت واوه ياءً، وإذا لم يدخل عليه بقيَ مضمومًا على أصله، وإذا كان في حال الرفع لم يكن له علامة في

  1. (١) (ظ ود): "مأخوذة من اسمه".
  2. (٢) (ظ ود): "المتصل".
  3. (٣) من قوله: "واستغنى عن اسمه ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
313

اللفظ؛ لأن الاسم الظاهر قبل الفعل عَلَم ظاهر يغني المخاطَب عن علامة إضمار في الفعل، بخلاف المتكلم والمخاطب؛ لأنك تقول في الغائب: زيدٌ قائم، فتجد الاسم الذي يعود عليه الضمير موجودًا ظاهرًا في اللفظ، ولا تقول في المتكلم: زيدٌ قمتُ، ولا في المخاطب: زيد (ق/ ٧٢ أ) قمتَ، فلما اختلفت أحوال الضمير الغائب لسقوط علامته في الرفع، وتغير الهاء بدخول حروف الخفض، قام ذلك عندهم مقامَ علامات الإعراب في الظاهر، أو ما هو بمنزلتها في المضمر، كالتاء المبدلة من الواو، والياء [المنْبِئَة عن]١ الكسرة، والكاف المختصة بالمفعول والمجرور الواقعين بعد الكلام التام، ولا يقع بعد: الكلام إلا منصوب أو مجرور، فكانت الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة على المنصوب والمجرور إذا كان مخاطبًا.

وأما "نحن" فضمير منفصل للمتكلمين تثنيةً وجمعًا، وخصَّت بذلك لما لم يمكنهم التثنية والجمع في المتكلم المضمر؛ لأن حقيقةً التثنية ضمُّ شيءٍ إلى مثله في اللفظ، والجمع ضم شيء إلى أكثر منه مما يماثله في اللفظ؛ فإذا قلت: زيدان، فمعناه. زيد وزيد، و"أنتم"، معناه: أنت وأنت وأنت، والمتكلم لا يمكنه أن يأتى باسم مثنى أو مجموع في معناه؛ لأنه لا يمكنه أن يقول: "أنا أنا٢ " فيضم إلى نفسه مثله في اللفظ، فلما عدم ذلك، ولم يكن بُدٌّ من لفظ يشير إلى ذلك المعنى، وإن لم يكنه في الحقيقة، جاءوا بكلمة تقع على الاثنين والجَمْع [لاشتراك التثنية والجمع] في هذا الموطن. ثم كانت.

  1. (١) (ق): "المثبتة و"! والمثبت من "النتائج".
  2. (٢) "أنا" الثانية سقطت: من (ق)، والاستدراك من "النتائج" وكذا ما سيأتي بين المعقوفات في هذه الفقرة.
314

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي