اللفظ؛ لأن الاسم الظاهر قبل الفعل عَلَم ظاهر يغني المخاطَب عن علامة إضمار في الفعل، بخلاف المتكلم والمخاطب؛ لأنك تقول في الغائب: زيدٌ قائم، فتجد الاسم الذي يعود عليه الضمير موجودًا ظاهرًا في اللفظ، ولا تقول في المتكلم: زيدٌ قمتُ، ولا في المخاطب: زيد (ق/ ٧٢ أ) قمتَ، فلما اختلفت أحوال الضمير الغائب لسقوط علامته في الرفع، وتغير الهاء بدخول حروف الخفض، قام ذلك عندهم مقامَ علامات الإعراب في الظاهر، أو ما هو بمنزلتها في المضمر، كالتاء المبدلة من الواو، والياء [المنْبِئَة عن]١ الكسرة، والكاف المختصة بالمفعول والمجرور الواقعين بعد الكلام التام، ولا يقع بعد: الكلام إلا منصوب أو مجرور، فكانت الكاف المأخوذة من لفظ الكلام علامة على المنصوب والمجرور إذا كان مخاطبًا.
وأما "نحن" فضمير منفصل للمتكلمين تثنيةً وجمعًا، وخصَّت بذلك لما لم يمكنهم التثنية والجمع في المتكلم المضمر؛ لأن حقيقةً التثنية ضمُّ شيءٍ إلى مثله في اللفظ، والجمع ضم شيء إلى أكثر منه مما يماثله في اللفظ؛ فإذا قلت: زيدان، فمعناه. زيد وزيد، و"أنتم"، معناه: أنت وأنت وأنت، والمتكلم لا يمكنه أن يأتى باسم مثنى أو مجموع في معناه؛ لأنه لا يمكنه أن يقول: "أنا أنا٢ " فيضم إلى نفسه مثله في اللفظ، فلما عدم ذلك، ولم يكن بُدٌّ من لفظ يشير إلى ذلك المعنى، وإن لم يكنه في الحقيقة، جاءوا بكلمة تقع على الاثنين والجَمْع [لاشتراك التثنية والجمع] في هذا الموطن. ثم كانت.
(١) (ق): "المثبتة و"! والمثبت من "النتائج".
(٢) "أنا" الثانية سقطت: من (ق)، والاستدراك من "النتائج" وكذا ما سيأتي بين المعقوفات في هذه الفقرة.
الكلمة آخرها نونًا وفي أولها، إشارةً إلى الأصل المتقدم الذي لم يمكنهم الإتيان به، وهو تثنية "أنا"، التي هى بمنزلة عطف اللفظ على مثله، فإذا لم يُمكنهم ذلك في١ اللفظ مثنًّى، كانت النون المكررة تنبيهًا عليه وتلويحًا عليه. وخُصَّت النونُ بذلك دون الهمزة؛ لما تقدم من اختصاص ضمير [الجمع] بالنون، وضمير المتكلِّم بالهمزة، ثم جعلوا بين النونين "حاءً" ساكنة لقربها من مخرج الألف الموجودة في ضمير المتكلم قبل النون وبعدها، ثم بنوها على الضم -دون الفتح والكسر- إشارةً إلى أنه ضمير مرفوع.
وشاهِدُه ما قلناه في الباب٢ -من دلالة الحروف [لمقطعة]٣ على المعاني والرمز بها إليها- وقوعُ ذلك فى منثور كلامهم ومنظومه. فمنه:
* قلتُ لها: قِفِي قالت: قاف٤ *
ومنه: ألاتا؟ فيقول الآخر: ألافا. يعني: ألا ترتحل، فيقول: ألا فارتحل. ومنه:
بالخيرِ خيرات وإن شرًّا فاولا أريدُ الشرَّ إلا أن تا٥
(١) ليست في "النتائج".
(٢) من قوله: "والرمز بالشفتين ... " ص/٣١٣، إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(٣) (ق): "اللفظية".
(٤) وتمامه: * لا تَحْسَبِينا قد نَسيْنا الإيجاف *. وهو للوليد بن عقبة بن أَبي مُعيط، انظر "شرح شواهد الشافية": (٤/ ٢٧١)، ومعنى قاف: أي: أقف.
(٥) الرجز للقيّم بن أوس، وهو من شواهد "الكتاب": (٢/ ٦٢) وانظر: "شرح شواهد الشافية": (٤/ ٢٦٤)، و"النوادر": (ص/ ١٢٦) لأبي زيد. والمعنى: إن شرٌّ فشر، ولا أُريد الشرَّ إلا أن تشاء.