الكلمة آخرها نونًا وفي أولها، إشارةً إلى الأصل المتقدم الذي لم يمكنهم الإتيان به، وهو تثنية "أنا"، التي هى بمنزلة عطف اللفظ على مثله، فإذا لم يُمكنهم ذلك في١ اللفظ مثنًّى، كانت النون المكررة تنبيهًا عليه وتلويحًا عليه. وخُصَّت النونُ بذلك دون الهمزة؛ لما تقدم من اختصاص ضمير [الجمع] بالنون، وضمير المتكلِّم بالهمزة، ثم جعلوا بين النونين "حاءً" ساكنة لقربها من مخرج الألف الموجودة في ضمير المتكلم قبل النون وبعدها، ثم بنوها على الضم -دون الفتح والكسر- إشارةً إلى أنه ضمير مرفوع.
وشاهِدُه ما قلناه في الباب٢ -من دلالة الحروف [لمقطعة]٣ على المعاني والرمز بها إليها- وقوعُ ذلك فى منثور كلامهم ومنظومه. فمنه:
* قلتُ لها: قِفِي قالت: قاف٤ *
ومنه: ألاتا؟ فيقول الآخر: ألافا. يعني: ألا ترتحل، فيقول: ألا فارتحل. ومنه:
بالخيرِ خيرات وإن شرًّا فاولا أريدُ الشرَّ إلا أن تا٥
(١) ليست في "النتائج".
(٢) من قوله: "والرمز بالشفتين ... " ص/٣١٣، إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(٣) (ق): "اللفظية".
(٤) وتمامه: * لا تَحْسَبِينا قد نَسيْنا الإيجاف *. وهو للوليد بن عقبة بن أَبي مُعيط، انظر "شرح شواهد الشافية": (٤/ ٢٧١)، ومعنى قاف: أي: أقف.
(٥) الرجز للقيّم بن أوس، وهو من شواهد "الكتاب": (٢/ ٦٢) وانظر: "شرح شواهد الشافية": (٤/ ٢٦٤)، و"النوادر": (ص/ ١٢٦) لأبي زيد. والمعنى: إن شرٌّ فشر، ولا أُريد الشرَّ إلا أن تشاء.
وكقولهم: "مَهْيَم" في: ما هذا يا امرؤ؟ و"أَيْشٍ" في: أيُّ شيءٍ؟ و"م الله" في: أيمن اللهْ.
ومن هذا الباب: خروف التهجِّي في أوائل السور.
وقد رأيتُ لابن فْوْرَك١ نحوًا من هذا في اسم الله، قال: الحكمة في وجود الألف في أوله: أَنها من أقصى مخارج الصوت قريبًا من القلب الذي هو محل المعرفة إليه، ثم الهاء في آخره مخرجها من هناك أيضًا؛ لأن المبتدأ منه والمعاد إليه (ق / ٧٢ ب)، والإعادة أهونُ من الابتداء، وكذلك لفظ الهاء أهون٢ من لفظ الهمزة. هذا معنى كلامه، فلم نقُل ما قلناه في المضمرات إلا اقتضابًا من أصول أئمة النحاة٣ واستنباطًا من قواعد اللغة.
فتأمَّل هذه الأسرار ولا يُزَهِّدَنَّك فيها نُبُوُّ٤ طباع أكثر الناس عنها، واشتغالهم٥ بظاهرٍ من الحياة الدنيا عن الفِكْرَ فيها والتنبيه عليها؛ فإني لم أفحص عن هذه الأسرارِ وخَفِيِّ التعليل في الظواهر والإضمار، إلا قصدًا للتفكُّر والاعتبار في حكمة من خَلَقْ الإنسانَ وعلَّمه البيان. فمتى لاحَ لكَ من هذه الأسرار سِرٌّ، وكَشَفَ لك عن
(١) هو: أبو بكر محمد بن الحسن بن فُوْرَك الأصبهاني المتكلِّم صاحب التصانيف ت (٤٠٦). انظر: "وفيات الأعيان": (٤/ ٢٧٢)، و"السير": (١٧/ ٢١٤).
(٢) تحرفت في (ظ ود): "وكذلك لفظًا أهون".
(٣) في "النتائج": "إلا اقتضابًا من أصول السلف" فحذفها المؤلف وأثبت ما ترى، وفيه لفتة لا تخفى.