شَرَّكوا المؤنث مع المذكر في الذال فاكتفوا بالكسرة [والياء]١ فرقًا بينهما، وربما اكتفوا بمجرَّد لفظ التاء في الفرق [بينهما]٢، وربما جمعوا بين لفظ التاء والكسرة (ظ/ ٥٤ أ)، حرصًا على البيان.
وأما في المؤنث الغائب؛ فلابد من لفظ التاء مع الكسرة؛ لأنه أحوج إلى البيان، لدلالة المشاهدة على الحاضر، فتقول: "تيك"، وربما زادوا اللام توكيدًا -كما زادوها في المذكر الغائب- إلا أنهم سكنوها في المؤنث لئلا تتوالى الكَسَرات مع التاء، وذلك ثقيل عليهم، وكانت اللام أولى بهذا الموطن حين أرادوا الإشارة إلى البعيد، فكثرت الحروف حين كثرت مسافة هذه الإشارة، وقلَّلوها حين قَلَّت؛ لأن اللام قد وُجِدَت في كلامهم (ق/ ٧٣ أ) توكيدًا، وهذا الموطن موطن توكيد، وقد وُجدت بمعنى الإضافة للشيء، وهذا الموطن شبيه بها؛ لأنك إذا أومأتَ إلى الغائب بالاسم المبهم، فأنت مُشيرٌ إلى من تخاطب ومقبل عليه لينظر إلى: من تشير، إما٣ بالعين وإما بالقلب؛ ولذلك جئتَ بكاف الخطاب فكأنك تقول له: لك أقول، ولك أرمز بهذا الاسم. ففي اللام طَرَف من هذا المعنى، كما كان ذلك في الكاف، وكما لم تكن الكاف هاهنا اسمًا مضمرًا، لم تكن اللام حرفِ جرٍّ، وإنما في كلِّ منهما طَرَف من المعنى دون جميعه؛ فلذلك خَلَعوا من الكاف٤ معنى الاسمية وأبقوا فيها معنى الخطاب، واللام كذلك إنما اجْتلبَت لطرفٍ من معناها الذي وُضِعَتْ له في باب الإضافة.
(١) من "النتائج".
(٢) محرفة في النسخ والمثبت من "المنيرية" وفى "النتائج": "فقالوا: هاتا هند".
(٣) (ق): "إليها"!.
(٤) (ظ ود): "المكان"!.
وأما دخول "ها" التنبيه؛ فلأن المخاطب يحتاج إلى تنبيهِهِ على الاسم الذي يُشير به إليه؛ لأن للإشارة قرائن حالٍ يحتاج إلى أن ينظر إليها، فالمتكلِّم كأنه آمر له بالالتفات إلى المشار إليه أو مُنَبِّهٌ له، فلذلك اختص هذا الموطن بالتنبيه، وقلما يتكلَّمون به في المبهم الغائب؛ لأن كاف الخطاب تُغني عنها، مع أن المخاطَب مأمورٌ بالالتفات بلحظِهِ إلى المبهم الحاضر، فكان التنبيه في أول الكلام أولى بهذا الموطن؛ لأنه بمنزلة الآمر الذي له صدر الكلام.
وعندي أن حرف التنبيه بمنزلة حرف النداء وسائر حروف المعاني، لا يجوز أن تعمل معانيها في الأحوال ولا في الظروف، كما لا يعمل معنى الاستفهام والنفي في "هل" و"ما" في ذلك، ولا نعلمُ حرفًا يعمل معناه في الحال والظرف إلا "كأنَّ" وحدَها علامة١ على أَنه فعل، فدع عنك ما شَغَبُوا به في مسائل الحال في هذا الباب، من قولهم: "هذا قائمًا زيد، وقائمًا هذا زيد"؛ فإنه لا يصلح من ذلك إلا تأخير الحال عن الاسم الذي هو "ذا"؛ لأن العامل فيها معنى الإشارة دون معنى التنبيه، وكلاهما معنوي.
فإن قيل: لم جاز أن يعمل فيه معنى الإشارة دون معنى التنبيه وكلاهما معنوي٢؟.
قيل: معنى الإشارة يدل عليه قرائن الأحوال؛ من الإيماء باللحظ واللفظ الخارج من طرف اللسان وهيئة المتكلِّم، فقامت تلك الدلالة مقام التصريح بلفظ الإشارة؛ لأن٣ الدال على المعنى؛ إما لفظ وإما