رتبته التأخير، فلم يبالوا بتقديمه في اللفظ إذ كان موضعه التأخير؛ ولأنَّ المجرورَ ليس هو بخبر على الحقيقة، وإنما هو متعلق بالخبر، والخبر مَنْويٌّ في موضعه، أعني بعد الاسم المنصوب بـ "إن".
فإن قيل: ولعل١ امتناع النعت من التقديم على المنعوت إنما هو من أجل الضمير الذي فيه، والضمير (ق/٧٤ أ) حقه أن يترتَّب بعد الاسمِ الظاهر؟.
قلنا: هذا ليس بمانع؛ لأن خبر المبتدأ حاملٌ للضمير، ويجوز تقديمه، ورب مضمرٍ يجوز تقديمه على الظاهر إذا كان موضعه التأخير.
فإن قيل: ولعل امتناع تقديم النعت إنما وجبَ من أجلِ أنه تبيين للمنعوت وتكملة لفائدته، فصار كالصِّلة مع٢ الموصول.
قلنا: هذا باطل، لأنَّ الاسم المنعوت يستقل به الكلام، ولا يَفْتقر إلى النعت افتقار الموصول إلى الصِّلة٣.
ومما يبين لك أن الفعل العامل في الاسم لا يعمل في نعته: أنَّ٤ النعت صفة للمنعوت لازمة له قبل وجود الفعل وبعده، فلا تأثير للفعل. فيه، ولا تسلُّطَ له عليه، وإنما التأثير فيه للاسم المنعوت؛ إذ بسببه يُرْفَع ويُنْصَب، وإن لم يَجُز أن تكون الأسماءُ عواملَ في الحقيقة. وهذا بخلاف الحال (ظ/ ٥٥ أ)؛ لأنها وإن كانت صفةً كالنعت، وفيها ضمير يعود إلى الاسم، فإنها ليست بصفةٍ لازمة للاسم كالنعت،
(١) (ق): "وأصل".
(٢) "النتائج": "من".
(٣) هذا الجواب ساقط من: (ظ ود).
(٤) (ق): "إذ".
وإنما هي صفة للاسم في حِيْن وجود الفعل خاصة، فالفعل بها أولى من الاسم، فعمل فيها دونه، فلما عمل فيها جاز تقديمها عليه، نحو: "ضاحكًا جاءَ زيدٌ"، و[تقديمها إليه، نحو]١: "جاء ضاحكًا زيد"، وتأخيرها بعد الفاعل٢؛ لأنها كالمفعول لعمل الفعل فيها. والنعت بخلاف هذا كله.
وسنبين بعد هذا -إن شاء الله- فصلًا عجيبًا في أن الفعل لا يعمل بنفسه إلا بثلاثة أشياء: الفاعل، والمفعول به، والمصدر٣، أو ما هو صفة لأحد هذه الثلاثة في حين وقوع الفعل، ويخرج من هذا الفصل ظرفا المكان والزمان، والنعوت، والأبدال والتوكيدات، وجميع الأسماء المعمول فيها، ونقيم هنالك البرهان القاطع على صِحَّة هذه الدَّعْوى.
فائدة بديعة٤
حق النكرة إذا جاءت بعدها الصفةُ أن تكون جاريةً عليها، ليتفق اللفظ. وأما نصب الصفة٥ على الحال فيضعف عندهم، لاختلاف اللفظ من غير ضرورة. ورد بعضُ محقِّقي النحاة٦ هذا القول بالقياس والسماع.
قال: أما القياس؛ فكما جاز أن يختلف المعنى في نعت المعرفة
(١) الإكمال من "النتائج".
(٢) نحو: "جاء زيدٌ ضاحكًا".
(٣) "النتائج": "المفعول المطلق".
(٤) "نتائج الفكر": (ص/ ٢٣٣).
(٥) سقطت من (ق).
(٦) هو: أبو الحسين بن الطراوة، شيخ السُّهَيلىِ، كما صرَّح به في "النتائج"، وقد تقدمت ترجمته.