بدائع الفوائد

الاسم المرفوع نحو: "في الدار زيد" كان مرفوعًا ارتفاعَ الفاعلِ بفعله، ومذهبه -أيضًا-: أن المبتدأ إذا كان نكرة لا يسوغ الابتداء به إلا بتقديم الخبر عليه، وجبَ تقديمه عليه، نحو: "في الدار رجل"، فإنه١ نصَّ على هذا وهذا، فلا ينبغي أن يبطل أحد كلاميه بالآخر، فـ "في الدار رجل" تقديم الظرف عنده واجبٌ وجوبَ تقديم الخبر على المبتدأ به، وعلى هذا فلا ضمير في الظرف بحال لو كان مذهبه أن المسألتين سواء في أن٢ الاسم مرفوع بالظرف، لم يلزم سيبويه أن يقول بقوله حتى يجعل الحال من النكرة، وذلك أن قولك: "في الدار رجل" ليس في الظرف ضمير، فإنه ليس بمشتق ولا يتحمل ضميرًا بوجه، أقصى ما يقال: إن عامله وهو الاستقرار يتضمن الضمير، وهذا لا يقتضي رجوع حكم الضمير إلى الظرف حتى ينصب عنه الحال، فإنه ليس واقعًا موقعه ولا بدلًا من اللفظ به.

ألا ترى أنك لو صرحت بالعامل لم تستغنِ عن الظرف، فلو قلتَ: "زيد مستقر"، لم تستغن عن قولك: في الدار، فعلم أنه إنما حذف حذفًا مستقرًّا لمكان العلم به، وليس الظرف نائبًا عنه ولا واقعًا موقعه ليصح تحمله الضمير، فتأمله فإنه من بديع النحو، وإذا كان كذلك فلا (ظ/٥٦ أ) ضمير في الظرف فينصب عنه الحال بوجه، فلم يبق معك ما يصح أن يكون صاحب الحال إلا تلك٣ النكرة الموجودة، فلهذا جعل الإمام أبو بشر وأئمة أصحابه الحال منها لا من غيرها.

وأما المقام الثاني: فاعلم أن الظرفَ إذا تقدم وقدرتَ فيه الضمير

  1. (١) (ظ ود): "فإن".
  2. (٢) (ظ ود): "سواء فإن"! والمثبت من "المنيرية".
  3. (٣) تحرفت في (ظ ود).
327

صار بمنزلة الفعل العامل، فإنه لا يتحمل الضمير إلا وهو بمنزلة الفعل أو ما أشبهه، وإذا صار بمنزلة الفعل وهو مقدَّم وجب أن يتجرَّد عن الضمير قضاءً لحق التشبيه بالفعل وقيامه مقامه، فتعدِّي الضميرَ فيه ينافي تقديره.

فإن قيل: إنما قدرنا فيه الضمير الذي كان يستحقه وهو خبر، فلما قُدِّم وفيه ما يستحقه من الضمير، بخلاف ما إذا كان عاملًا محضًا؟.

قيل: فهلَاّ قدرتَ مثل هذا في: زيد قام، أنه يجوز أن يقدم "قام"، وتقول: قام زيد، ويكون مبتدأ وخبرًا! فلما أجمع النحاةُ على امتناع ذلك وقالوا: لا يجوز تقديم الخبر هنا؛ لأنه لا يُعْرف هل المسألة من باب الابتداء والخبر، أو من باب الفعل والفاعل. وكذلك ينبغي في نائب الفعل من الظرف سواء فتأمله.

وأما المقام الثالث: وهو ما١ ذكره من الدور؛ فالدور أربعة أقسام: دَوْر حُكْمي، ودور عِلْمي، ودور مَعِي، ودور سَبْقي تقدُّمي.

فالحكمي: توقف ثبوت حكمين كل منهما على الآخر من الجهة التي توقف الآخر منها، وأخص من هذه العبارة: توقف كلٍّ من الحكمين على الآخر من جهةٍ واحدة.

والدور العلمي: توقف العلم بكل من المعلومين على العلم بالآخر.

والإضافي المعي: تلازم شيئين في الوجود لا يكون أحدهما إلا مع الآخر.

  1. (١) (ظ): "مما"، (د): "بما".
328

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي