والدور السبقي التقدُّمي: توقف وجود كلِّ واحد منهما على سبق الآخر له، وهذا المحال.
والإضافي واقع، والدَّوْرَان الآخران فيهما كلام ليس هذا موضعه.
وإذا عُرِف هذا؛ فما ذكره من الصورتين الفقهية والنحوية ليس بدور؛ إذ ليس فيه توقف كل من الشيئين في ثبوته على الآخر، فإن قبول شهادةِ العبد موقوفة على قبول شهادة شاهد عِتْقه، وليست شهادة شاهد العتق موقوفة على شهادته، ولذلك تحمُّل الظرف للضمير موقوف على تقدير فعل يتضمنه، وتقدير الفعل غير موقوفٍ على تحمل الظرف للضمير فتأمله.
وإنما هذا من باب ما يقتضي إثباته إلى إسقاطه، فهو من باب الفروع التي لا تعود على أصولها بالإبطال، وإذا بطلت أصولها بطلت هي، فهي موقوفة على صحة أصولها، وصحةُ أصولها لا تتوقف عليها، ولكن وجه الدور في هذا: أنها لو أُبْطِلت أصولُها لتوقف صحة أصولها على عدم إفسادها لها، وهى متوقفة على اقتضاءِ أصولها لها، فجاء الدور من هذا الوجه، وكذلك نظائره.
فائدة١
النعت إذا كان تمييزًا للمنعوت مثبتًا له، لم يقطع برفع ولا نصب؛ لأنه من تمامه، وإن كان غير تمييز له بل هي من أداة المدح أو الذم المحض، شاع قطعه تكررت النعوتُ أو لم تتكور، وإنما يُشترط تكرر النعوت إذا كانت للتمييز والتبيين، فيحصل الاتباع ببعضها ويسوغ قطع الباقي، فتفطَّن لهذه النكتة، والذي يدلك على (ظ/٥٦ ب) ذلك
(١) "نتائج الفِكْر": (ص/ ٢٣٧) بنحوه.
قولُ سيبويه: سمعت العربَ يقولون: "الحمد لله ربُّ العالمين"، فسألت عنها يونس، فزعم أنها عربية.
وفائدة القطع من الأول أنهم إذا أرادوا تجديد مدح. أو ذمٍّ جدَّدوا الكلام؛ لأن تجديد غير اللفظ الأول دليل على تجدُّد المعنى، وكلما كَثُرت المعاني وتجدد المدح؛ كان أبلغ.
فائدة بديعة١
القاعدةُ: أن الشيءَ يُعْطف على نفسه؛ لأن حروف العطف بمنزلة تَكْرار العامل؛ لأنك إذا قلت: "قام زيد وعَمْرو"، فهي بمعنى: "قام زيد وقام عَمْرو"، والثاني غير الأول، فإذا وجدت مثل قولهم: "كذبًا ومينًا"؟ فهو لمعنًى زائد في اللفظ الثاني، وإنْ خَفِيَ عنك.
ولهذا يبعد جدًّا أن يجيء في كلامهم: "جاءني عُمَر وأبو حفص"، و: "رضي الله عن أبي بكر وعَتِيْقٍ"، فإن الواو إنما تجمع بين الشيئين، لا بين الشيء الواحد، فإذا كان في الاسم الثاني فائدة٢ زائدة على معنى الاسم الأول كنت مخيرًا في العطف وتركه، فإن عطفتَ فمن حيث قصدتَ تَعْداد الصفات وهي متغايرة، وإن لم تعطف فمن حيث كان في كلٍّ منهما ضميرٌ هو الأول، فعلى الوجه الأول تقول: "زيد فقيه وكاتب"٣، وعلى الثاني: "فقيه كاتب"٤، كأنك عطفتَ بالواو الكتابةَ على الشعر، وحيث لم تعطف أتبعت الثاني الأول؛ لأنه هو
(١) المصدر نفسه: (ص/ ٢٣٨).
(٢) (د): "في المنعوت فائدة".
(٣) (ظ ود): "فقيه كاتب"، و"النتائج": "شاعر وكاتب"، وهو الموافق للسياق بعده.