قولُ سيبويه: سمعت العربَ يقولون: "الحمد لله ربُّ العالمين"، فسألت عنها يونس، فزعم أنها عربية.
وفائدة القطع من الأول أنهم إذا أرادوا تجديد مدح. أو ذمٍّ جدَّدوا الكلام؛ لأن تجديد غير اللفظ الأول دليل على تجدُّد المعنى، وكلما كَثُرت المعاني وتجدد المدح؛ كان أبلغ.
فائدة بديعة١
القاعدةُ: أن الشيءَ يُعْطف على نفسه؛ لأن حروف العطف بمنزلة تَكْرار العامل؛ لأنك إذا قلت: "قام زيد وعَمْرو"، فهي بمعنى: "قام زيد وقام عَمْرو"، والثاني غير الأول، فإذا وجدت مثل قولهم: "كذبًا ومينًا"؟ فهو لمعنًى زائد في اللفظ الثاني، وإنْ خَفِيَ عنك.
ولهذا يبعد جدًّا أن يجيء في كلامهم: "جاءني عُمَر وأبو حفص"، و: "رضي الله عن أبي بكر وعَتِيْقٍ"، فإن الواو إنما تجمع بين الشيئين، لا بين الشيء الواحد، فإذا كان في الاسم الثاني فائدة٢ زائدة على معنى الاسم الأول كنت مخيرًا في العطف وتركه، فإن عطفتَ فمن حيث قصدتَ تَعْداد الصفات وهي متغايرة، وإن لم تعطف فمن حيث كان في كلٍّ منهما ضميرٌ هو الأول، فعلى الوجه الأول تقول: "زيد فقيه وكاتب"٣، وعلى الثاني: "فقيه كاتب"٤، كأنك عطفتَ بالواو الكتابةَ على الشعر، وحيث لم تعطف أتبعت الثاني الأول؛ لأنه هو
(١) المصدر نفسه: (ص/ ٢٣٨).
(٢) (د): "في المنعوت فائدة".
(٣) (ظ ود): "فقيه كاتب"، و"النتائج": "شاعر وكاتب"، وهو الموافق للسياق بعده.
وأما في أسماء الرب ﵎؛ فأكثر ما يجيء في القرآن بغير عطف، نحو: "السميع العليم"، "العزيز الحكيم"، "الغفور الرحيم"، "الملك القدوس السلام" إلى آخرها، وجاءت٢ معطوفة في موضعين.
أحدهما: في أربعة أسماء، وهى: ﴿الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾[الحديد: ٣].
والثاني: في بعض الصفات بالاسم الموصول مثل دوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤﴾[الأعلى: ٢ - ٤] ونظيره: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ١٠ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ١١ وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾[الزخرف: ١٠ - ١٢] فأما ترك العطف في الغالب؛ فلتناسب معاني تلك الأسماء (ق / ٧٥ أ) وقرب بعضها من بعض، وشعور الذهن بالثاني منها عند٣ شعوره بالأول. ألا ترى أنك إذا شعرت بصفة المغفرة انتقل ذهنك منها إلى الرحمة، وكذلك إذا شعرت بصفة السمع انتقل الذهن إلى البصر٤، وكذلك: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾[الحشر: ٢٤].
وأما تلك الأسماء الأربعة؛ فهي ألفاظ متباينة المعاني، متضادَّة الحقائق في أصل موضوعها، وهى متفقة المعاني متطابقة في حق
(١) إلى هنا ينتهي السقط في نسخة (ق)، وقد بدأ من قوله: "رجل من الضمير" ص/ ٣٢٥.
(٢) (ق): "وكانت".
(٣) من (ق).
(٤) العبارة في (ق): "السميع انتقل الذهن منها إلى البصير".