بدائع الفوائد

هذا جوابه وهو كما ترى غير شافٍ ولا كافٍ، فإن شدة عقابه من صفات الأفعال، وطَوله من صفات الأفعال، ولفظة "ذي" فيه لا تخرجه عن كونه صفة فعل كقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: ٤] بل لفظ الوصف بـ "غافر وقابل" أدل على الذات من١ الوصف بـ "ذي"؛ لأنها بمعنى: صاحبِ كذا، فالوصف المشتق أدلُّ على الذات من الوصف بها، فلم يشفِ جوابُه ﵀ بل زاد السؤال سؤالًا!!.

فاعلم أن هذه الجملة مشتملة على ستة أسماء كل اثنين منها قِسْم، فابتدأها بـ "العزيز العليم"، وهما اسمان مطلقان، وصفتان٢ من صفات ذاته وهما مجردان عن العاطِف.

ثم ذكر بعدهما اسمين من صفات أفعاله فأدخل بينهما العاطف، ثم ذكر اسمين آخرين: بعدهما٣ وجرَّدهما من العاطف، فأما الأولان فتجريدهما من العاطف؛ لكونهما مفردين صفتين جاريتين على اسم الله وهما (ظ/٥٧ ب) متلازمان، فتجريدهما عن العطف هو الأصل، وهو موافق لسائر٤ ما في الكتاب العزيز من ذلك، كالعزيز العليم٥، والسميع البصير، والغفور الرحيم٦.

وأما ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾؛ فدخل العاطف بينهما، لأنهما

  1. (١) "الذات من" سقطت: من (ظ)، و"على ذات" ساقطة من (د).
  2. (٢) (ق): "نعم وصفيان".
  3. (٣) بعدها في (ق) كلمة لم أتبينها ورسمها (عر)!.
  4. (٤) (ظ ود): "لبيان".
  5. (٥) (ق): "الحكيم".
  6. (٦) "والسميع ... الرحيم" ليست فى (ظ ود) وفي (ق) زيادة "واو" بين "السميع البصير".
334

في معنى الجملتين، وإن كانا مفرَدَيْن لفظًا فهما يعطيان معنى: يغفرُ الذنبَ ويقبل التوب، أي: هذا شأْنُه ووصفُه فى كلِّ وقت، فأتى بالاسم الدال على أن١ هذا وصفه ونعته المتضمن لمعنى الفعل الدال على أنه لا يزال يفعل ذلك، فعطف أحدهما على الآخر، على نحو عَطْف الجملِ بعضِها على بعض، ولا (ق/ ٧٦ أ) كذلك الاسمان الأولان، ولما لم يكن الفعل ملحوظًا في قوله: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾؛ إذ لا يَحْسُن وقوع الفعل فيهما، وليس في لفظ "ذي" ما يُصَاغ منه فعل جَرَيا مجرى المفردين من كلِّ وجه، ولم يعطف أحدهما على الآخر، كما لم يعطف في العزيز العليم، فتأمَّلْه فإنه واضح.

وأما العطف في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣﴾ [الأعلى: ٢، ٣] فلما كان المقصود الثناء عليه بهذه الأفعال وهي جملة، دخلت الواو عاطفةً جملة على جملة، وإن كانت الجملة مع الموصول في تقدير المفرد، فالفعل مرادٌ مقصود، والعطف يُصَيِّر كلَّ٢ جملة منها مستقلة مقصودةً بالذكر، بخلاف ما لو أتى بها في خبر موصول واحد، فقيل: "الذي جعل لكم الأرضَ مِهادًا، وأنزلَ من السماءِ ماءً، وخلقَ الأزواجَ كلَّها"، كانت كلها في حكم جملة واحدة، فلما غايَرَ بين الجمل بذكر الاسم الموصول مع كلِّ جملةٍ دلَّ على أن المقصود وصفه بكل جملةٍ جملةٍ٣ من هذه الجمل على حِدَّتها، وهذا قريب من باب قطع النعوت، والفائدة هنا كالفائدة ثَمَّ، وقد تقدمت الإشارة إليها فراجعها، بل قطع النعوت إنما كان لأجل هذه

  1. (١) سقطت من (ظ ود).
  2. (٢) (ظ ود): "على".
  3. (٣) من قوله: "واحدة، فلما غاير ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
335

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي