ثم قال تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ٣﴾[غافر: ٣] فتضمن ذلك التوحيد والمعاد.
فتضمنت الآيتان إثبات صفة: العلو، والكلام، والقدرة، والعلم، والشرع، والقَدَر، وحدوث العالم، والثواب، والعقاب، والتوحيد والمعاد١، وتنزيل الكتاب منه على لسان رسوله ﷺ يتضمن: الرسالة والنبوة، فهذه عشرة٢ قواعد الإسلام والإيمان تجلى على سمعك في هذه الآية العظيمة٣، ولكن:
* خَوْدٌ تُزَفُّ إلى ضَرِيْرٍ مُقْعَدِ *
فهل خطر ببالك قط أن هذه الآية تتضمَّن هذه العلوم والمعارف مع كثرة قراءتك لها وسماعك إياها!! وهكذا سائر آيات القرآن: فما أشدَّها من حسرة وما أعظمها من غَبْنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم، ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن، ولا باشر قلبه أسراره ومعانيه!! فالله المستعان٤.
فائدة جليلة٥
العامل في المعطوف مقدر في معنى العامل في٦ المعطوف
(١) من قوله: "فتضمنت ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
(٢) ليسِت في (ظ ود)، لكن بإضافة "الشرع" وهي من (ق) تصبح إحدى عشرة قاعدة.
(٣) ليست في (ق).
(٤) ليست في (ق).
(٥) "نتائج الفِكر": (ص/ ٢٤٩).
(٦) "العامل في" سقطت من (ظ ود).
عليه، وحرف العطف أغنى عن إعادته وناب منابه، وإنما قلنا ذلك للقياس والسماع.
أما القياس؛ فإن ما بعد حرف العطف لا يعمل فيه ما قبله، ولا يتعلق به إلا في باب المفعول معه؛ لأنه قد أخذ معموله ولا يقتضي ما بعد حرف العطف ولا يصح تسليطه عليه بوجه، فلا تقول: "ضربتُ وعَمْرًا"، فكيف يقال: إن عاملًا يعمل في شيءٍ لا يصح مباشرته إياه، وأيضًا: فالنعتُ هو المنعوت في المعنى ولا واسطة بينه وبين المنعوت، ومع ذلك فلا يعمل فيه ما يعمل في المنعوت على القول الذي نصرناه سالفًا، وهو الصحيح، فكيف بالمعطوف (ق/ ٧٧ أ) الذي هو غير المعطوف عليه من كلِّ وجه!؟.
وأما السماع؛ فإظهار العامل قبل المعطوف في مثل قوله١:
بل بني٢ النجَّار إنَّ لنافيهمُ قَتْلى وإنَّ تِرَهْ
يريد: لنا فيهم قتلى وتِرَة، وهذا مطرد في سائر حروف العطف ما لم يمنع مانع كما منع في المعطوف على اسم لا يصح انفراده عنه، نحو: "اختصم زيد وعَمْرو"، و"جلستُ بين زيد وعَمْرو"، فإن الواو هنا تجمع بين الاسمين في العامل، فكأنك قلت: اختصم هذان، واجتمع الرجلان، في قولك: "اجتمع زيد وعمرو"٣. ومعرفة هذه الواو أصل يُبْنَى عليه فروع كثيرة، فمنها أنك تقول: "رأيت الذي قام زيد وأخوه"، على أن تكون الواو جامعة، وإن كانت عاطفة لم يجز؛ لأن
(١) ذكره ابن هشام في "السيرة": (١/ ٢٣) ونسبَه لخالد بن عبد العُزَّى.