بدائع الفوائد

عليه، وحرف العطف أغنى عن إعادته وناب منابه، وإنما قلنا ذلك للقياس والسماع.

أما القياس؛ فإن ما بعد حرف العطف لا يعمل فيه ما قبله، ولا يتعلق به إلا في باب المفعول معه؛ لأنه قد أخذ معموله ولا يقتضي ما بعد حرف العطف ولا يصح تسليطه عليه بوجه، فلا تقول: "ضربتُ وعَمْرًا"، فكيف يقال: إن عاملًا يعمل في شيءٍ لا يصح مباشرته إياه، وأيضًا: فالنعتُ هو المنعوت في المعنى ولا واسطة بينه وبين المنعوت، ومع ذلك فلا يعمل فيه ما يعمل في المنعوت على القول الذي نصرناه سالفًا، وهو الصحيح، فكيف بالمعطوف (ق/ ٧٧ أ) الذي هو غير المعطوف عليه من كلِّ وجه!؟.

وأما السماع؛ فإظهار العامل قبل المعطوف في مثل قوله١:

بل بني٢ النجَّار إنَّ لنافيهمُ قَتْلى وإنَّ تِرَهْ

يريد: لنا فيهم قتلى وتِرَة، وهذا مطرد في سائر حروف العطف ما لم يمنع مانع كما منع في المعطوف على اسم لا يصح انفراده عنه، نحو: "اختصم زيد وعَمْرو"، و"جلستُ بين زيد وعَمْرو"، فإن الواو هنا تجمع بين الاسمين في العامل، فكأنك قلت: اختصم هذان، واجتمع الرجلان، في قولك: "اجتمع زيد وعمرو"٣. ومعرفة هذه الواو أصل يُبْنَى عليه فروع كثيرة، فمنها أنك تقول: "رأيت الذي قام زيد وأخوه"، على أن تكون الواو جامعة، وإن كانت عاطفة لم يجز؛ لأن

  1. (١) ذكره ابن هشام في "السيرة": (١/ ٢٣) ونسبَه لخالد بن عبد العُزَّى.
  2. (٢) في النسخ: "بل بنو" والمثبت من "السيرة".
  3. (٣) "فإن الواو ... " إلى هنا ساقط من (ق).
339

التقدير يصير١: "قام زيد وقام أخوه"، فخَلَت الصلةُ من العائد.

ومنها قوله ﷾: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ٩﴾ [القيامة: ٩] غلب المذكر على المؤنث لاجتماعهما، ولو قلت: "طلعَ الشمس والقمر"، لقَبُح ذلك كما يقبح: "قام هند وزيد"، إلا أن تريد الواو الجامعة لا العاطفة. وأما في الآية فلابد أن تكون الواو جامعة، ولفظ الفعل يقتضي ذلك.

وأما "الفاء"؛ فهي موضوعة للتعقيب، وقد تكون للتسبيب والترتيب (ظ / ٥٨ ب)، وهما راجعان إلى معنى التعقيب؛ لأن الثاني بعدهما أبدًا إنما يجيء في عَقب الأول فالتسبيب نحو: "ضربته فبكى"، والترتيب [نحو]: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] دخلت الفاء لترتيب اللفظ؛ لأن الهلاك يجب تقديمه في الذكر؛ لأن الاهتمام به أولى، وإن كان مجيء البأس قبله في الوجود. ومن هذا:

إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهثُمَّ قَدْ سَادَ بَعْدَ ذَلكَ جَدُّهُ٢

دخلت "ثم" لترتيب الكلام، لا لترتيب المعنى في الوجود، وهذا معنى قول بعض النحاة: إِنها تأتي للترتيب في الخَبَر لا في المُخْبر.

وعندي في الآية تقديران آخران أحسن من هذا:

أحدُهما: أَنْ يكون المراد بالإهلاك إرادة الهلاك، وعبَّر بالفعل عن الإرادة، وهو كثير، فترتَّب مجيءُ البأسِ على الإرادة ترتُّب المراد على الإرادة.

  1. (١) سقطت من (ظ ود).
  2. (٢) البيت لأبي نُوَاس، "ديوانه": (ص/٤٩٣) والرواية فيه:
    قل لمن سادَ ثم سادَ أبوه ... قبلَه، ثم قبلَ ذلك جدُّه
340

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي