ومنه قوله: "فَصَلَّى الصُّبْحَ حِيْنَ طَلَعَ الفَجْرُ"١ أي: أخذ في الصلاة عند طلوعه.
وأما قوله: "ثُمَّ صَلَاّهَا٢ مِن الغَدِ بَعْدَ أَنْ أسْفَرَ"٣؛ فالصحيح أن المراد به الابتداء، وقالت طائفة: المراد به الانتهاء، منهم السهيلي٤ وغَلِطُوا في ذلك، والحديث صريح في أنه قدَّمها في اليوم الأول، وأخَّرها في اليوم الثاني ليبيِّن أوَّل الوقت وآخره.
وقوله في حديث جبريل٥: "صَلَّى الظُّهْرَ حِيْنَ زَالَتِ الشَّمْسُ"، هذا ابتداؤها ليس إلا.
وأما قوله: "وَصَلَّى الظُّهْرَ مِن الغَدِ حِيْنَ صَارَ ظِلُّ٦ الرَّجلِ مِثْلهُ"؟ ْفقيل: المراد به الفراغ منها، أي: فرغ منها في هذا الوقت، وقيل:
(١) أخرجه مسلم رقم (٦١٣) من حديث بُريدة بن الحصيب ﵁.
(٢) (ظ ود): "فصلاها".
(٣) قطعة من الحديث المتقدم.
(٤) في "نتائج الفكر": (ص/ ٢٥١).
(٥) أخرجه أحمد: (١/ ٣٣٣)، وأبو داود رقم (٣٩٣)، والترمذي رقم (١٤٩) وغيرهم من حديث ابن عباس ﵄. والحديث قوَّاه ابن دقيق العيد، وصححه ابن عبد البر وغيره، وله شواهد من حديث جماعةٍ من الصحابة، انظر: "نصب الراية": (١/ ٢٢١ - ٢٢٧)، و"التلخيص الحبير": (١/ ١٨٣).
(٦) من قوله: "كل شيءٍ ... " إلى هنا ساقط من (ظ ود).
المراد به الابتداء، أي: أخَّرها إلى هذا الوقت بيانًا لآخر الوقت، وعلى هذا فتمسك به١ أصحاب مالك في مسألة الوقت المشترك، والكلام في هذه المسائل ليس هذا موضعه.
فصل٢
وأما "حتى" فموضوعة للدلالة على أن ما بعدها غاية (ظ/٥٩ أ) لما قبلها، وغايةُ كلِّ شيءٍ حَدُّه، ولذلك كان لفظُها كلفظِ الحدِّ فإنها: "حاءٌ" قَبْل تاءَين، كما أَنَّ "حاءَ"٣ الحدِّ قيل دالَيْن، والدال كالتاء في المخرج والصفة إلا في الجهر، فكانت لجَهْرها أولى بالاسم لقوَّته، والتاء لهمْسِها أولى بالحرفِ لضعفه، ومن حيث كانت "حتى" للغايةِ خفضوا بها كما يخفضون بـ "إلى"٤ التي للغاية.
والفرقُ بينهما: أن "حتى" غاية لما قبلها وهو منه، وما بعد "إلى" ليس مما قبلها، بل عنده انتهى ما قبل الحرف، ولذلك فارقتها في أكثر أحكامها. ولم تكن "إلى" عاطفة لانقطاع ما بعدها عما قبلها، بخلاف "حتى"، ومن ثَمَّ دخلت "حتَّى" في حروف العطف، ولم يجز دخولها على المضمر المخفوض إذا كانت خافضة، لا تقول: "قام القوم حتاك"، كما لا تقول: "قاموا وك"٥، ومن حيث كان ما بعدها غاية لما قبلها لم يَجُز في العطف: "قام زيد حتى (ق/٧٨ أ) عَمْرو"، ولا: "أكلت خبزًا حتَّى تمرًا"؛ لأن الثاني ليس بحدٍّ للأولِ ولا طَرَفٍ.