المراد به الابتداء، أي: أخَّرها إلى هذا الوقت بيانًا لآخر الوقت، وعلى هذا فتمسك به١ أصحاب مالك في مسألة الوقت المشترك، والكلام في هذه المسائل ليس هذا موضعه.
فصل٢
وأما "حتى" فموضوعة للدلالة على أن ما بعدها غاية (ظ/٥٩ أ) لما قبلها، وغايةُ كلِّ شيءٍ حَدُّه، ولذلك كان لفظُها كلفظِ الحدِّ فإنها: "حاءٌ" قَبْل تاءَين، كما أَنَّ "حاءَ"٣ الحدِّ قيل دالَيْن، والدال كالتاء في المخرج والصفة إلا في الجهر، فكانت لجَهْرها أولى بالاسم لقوَّته، والتاء لهمْسِها أولى بالحرفِ لضعفه، ومن حيث كانت "حتى" للغايةِ خفضوا بها كما يخفضون بـ "إلى"٤ التي للغاية.
والفرقُ بينهما: أن "حتى" غاية لما قبلها وهو منه، وما بعد "إلى" ليس مما قبلها، بل عنده انتهى ما قبل الحرف، ولذلك فارقتها في أكثر أحكامها. ولم تكن "إلى" عاطفة لانقطاع ما بعدها عما قبلها، بخلاف "حتى"، ومن ثَمَّ دخلت "حتَّى" في حروف العطف، ولم يجز دخولها على المضمر المخفوض إذا كانت خافضة، لا تقول: "قام القوم حتاك"، كما لا تقول: "قاموا وك"٥، ومن حيث كان ما بعدها غاية لما قبلها لم يَجُز في العطف: "قام زيد حتى (ق/٧٨ أ) عَمْرو"، ولا: "أكلت خبزًا حتَّى تمرًا"؛ لأن الثاني ليس بحدٍّ للأولِ ولا طَرَفٍ.
(١) سقطت من (ق).
(٢) "نتائج الفكر": (ص/ ٢٥٢).
(٣) سقطت من (ق).
(٤) (ق): "إذا" وهو خطأ.
(٥) في "النتائج": "قام القوم وك".
تنبيه: ليس المراد من كون "حتى" لانتهاء الغاية، وأن ما بعدها طرفٌ١ أن يكون متأخرًا في الفعل عما قبلها، فإذا قلت: "مات الناسُ حتى الأنبياء، وقَدِمَ الحاجُّ حتى المشاة"، لم يلزم تأخُّر موت الأنبياء عن الناس، وتأخُّر قدوم المشاة عن الحاجِّ.
ولهذا قال بعض الناس: إن "حتى" مثل الواو لا تخالفها إلا في شيئين، أحدهما: أن يكون المعطوف من قبيل المعطوف عليه، فلا تقول: قَدِم الناس حتى الخيل، بخلاف الواو. الثاني: أن تخالفه بقوة أو ضعف أو كثرة أو قلة، وأما أن يُفهم منها الغاية والحدُّ فلا، والذي حمله على ذلك ما تقدم من المثالين، ولكن فاته أن يعلم المراد بكون ما بعدها غاية وطرفًا، فاعلم أن المراد به أن يكون غايةً في المعطوف. عليه لا في الفعل، فإنه يجب أن يخالفه في الأشد والأضعف والقِلَّة والكثرة، وإذا فهمت هذا فالأنبياء غاية للناس في الشرف والفضل، والمشاة غاية للحُجَّاج٢ في الضعف والعجز، وأنت إذا قلت: أكلتُ السمكةَ حتى رأسها، فالرأسُ غايةٌ لانتهاء السمكة، وليس المرادُ أنَّ غايةَ أكلك كان الرأس، بل يجوز أد يتقدم أكلك للرأس وهذا مما أغفله كثير من النحويين ولم يُنبًّهوا عليه.
فائدة٣
"أو" وُضعت للدلالة على أحد الشيئين المذكورين معها، ولذلك وقعت في الخبر المشكوك فيه، من حيثُ كان الشكُّ ترددًا بين أمرين