تنبيه: ليس المراد من كون "حتى" لانتهاء الغاية، وأن ما بعدها طرفٌ١ أن يكون متأخرًا في الفعل عما قبلها، فإذا قلت: "مات الناسُ حتى الأنبياء، وقَدِمَ الحاجُّ حتى المشاة"، لم يلزم تأخُّر موت الأنبياء عن الناس، وتأخُّر قدوم المشاة عن الحاجِّ.
ولهذا قال بعض الناس: إن "حتى" مثل الواو لا تخالفها إلا في شيئين، أحدهما: أن يكون المعطوف من قبيل المعطوف عليه، فلا تقول: قَدِم الناس حتى الخيل، بخلاف الواو. الثاني: أن تخالفه بقوة أو ضعف أو كثرة أو قلة، وأما أن يُفهم منها الغاية والحدُّ فلا، والذي حمله على ذلك ما تقدم من المثالين، ولكن فاته أن يعلم المراد بكون ما بعدها غاية وطرفًا، فاعلم أن المراد به أن يكون غايةً في المعطوف. عليه لا في الفعل، فإنه يجب أن يخالفه في الأشد والأضعف والقِلَّة والكثرة، وإذا فهمت هذا فالأنبياء غاية للناس في الشرف والفضل، والمشاة غاية للحُجَّاج٢ في الضعف والعجز، وأنت إذا قلت: أكلتُ السمكةَ حتى رأسها، فالرأسُ غايةٌ لانتهاء السمكة، وليس المرادُ أنَّ غايةَ أكلك كان الرأس، بل يجوز أد يتقدم أكلك للرأس وهذا مما أغفله كثير من النحويين ولم يُنبًّهوا عليه.
فائدة٣
"أو" وُضعت للدلالة على أحد الشيئين المذكورين معها، ولذلك وقعت في الخبر المشكوك فيه، من حيثُ كان الشكُّ ترددًا بين أمرين
(١) في "الأصول": "ظرفا"!.
(٢) (ق): "للناس".
(٣) "نتائج الفكر": (ص/ ٢٥٣).
من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، لا أنها وُضِعت للشكِّ؛ فقد تكون في الخبر١ الذي لا شك فيه إذا أبهمتَ على المخاطب ولم تقصد أن تُبيِّن له، كقوله سبحانه: ﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ١٤٧﴾[الصافات: ١٤٧]، أي: أنهم من الكثرة بحيث يقال فيهم: هم مئة ألف أو يزيدون٢، فـ "أو" على بابها دالَّة على أحد الشيئين؛ إما مئة ألف بمجردها، وإما مئة ألف مع زيادة، والمخبر في كل٣ هذا لا يشك.
وقوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾[البقرة: ٧٤] ذهب الزجَّاج في هذه كالتي٤ في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾[البقرة: ١٩] إلى أنها "أو" التي للإباحة، أي: أبيح للمخاطبين أن يُشَبِّهوا بهذا أو هذا، وهذا فاسد، فإن "أو" لم توضع للإباحة في شيءٍ من الكلام، ولكنها على بابها؛ أما قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، فإنه تعالى ذكر مثلين مضروبين للمنافقين في (ظ/٥٩ ب) حالتين مختلفتين، فهم لا يخلون من أحدِ الحالين، فـ "أو" على بابها من الدلالة على أحد المعنيين. وهذا كما تقول: "زيد لا يخلو أن يكون في المسجد أو الدار"، ذكرتَ "أو"؛ لأنك أردت أحدَ الشيئين. وتأمل الآية مع ما قبلها، وأفهم المراد منها تجد الأمرَ كما ذكرتُ لكَ، وليس (ق / ٧٨ ب) المعنى: أبحتُ لكم أن تُشَبِّهوهم بهذا وهذا.
وأما قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، فإنه ذكرَ قلوبًا ولم يذكر قلبًا واحدًا، فهي على الجملة قاسية، وعلى التعيين؛
(١) (ق): "للخبر" وكذا نسخ "النتائج".
(٢) من قوله: "أي: أنهم ... " إلى هنا ساقط من (د).
(٣) ليست في (ق).
(٤) (ظ ود): "ذهب فى هذه وكالتي ... " والمثبت من (ق)، وبنحوه في "النتائج".