بدائع الفوائد

لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون كالحجارة، وإما أن تكون أشدَّ قسوة، ومنها ما هو كالحجارة١، ومنها ما هو أشد قسوة منها. ومن هذا قول الشاعر:

فقلتُ لهم٢: ثنتان، لابُدَّ منهماصُدُورُ رِماحٍ أُشْرِعَتْ أو سَلاسِلُ

أي: لابد منهما في الجملة، ثم فَصَّل الاثنين بالرماح والسلاسل، فبعضهم له الرماح قتلًا٣، وبعضهم له السلاسل أسرًا، فهذا على التفصيل والتعيين، والأول على الجملة، فالأمران واقعان جملة وتفصيلهما بما٤ بعد "أو". وقد يجوز في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، أن يكون مثل "مائة ألف أو يزيدون".

وأما "أو" التي للتخيير فالأمر فيها ظاهر.

وأما "أو" التي زعَموا أنها للإباحة، نحو: "جالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين"، فلم توجد الإباحة من لفظ "أو" ولا من معناها، ولا تكون "أو" قط للإباحة وإنما أخذت من لفظ الأمر الذي هو للإباحة، ويدل على هذا: أن القائلين بأنها للإباحة يلزمهم أن يقولوا: إنها للوجوب إذا دخلت بين شيئين لابد من أحدهما، نحو قولك للمكفِّر: أطعم عشرةَ مساكين أو اكسهم، فالوجوب هنا لم يؤخذ من "أو" وإنما أخذ من الأمر، فكذا جالِسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين.

  1. (١) "ومنها ما هو كالحجارة" سقط من (د).
  2. (٢) كذا، والبيت في "الأغاني": (١٣/ ٤٧)، و"مغني اللبيب" رقم (٩٦) والرواية فيهما: فقالوا لنا: ثنتان ..، وهو لجعفر بن عُلْبَة الحارثي.
  3. (٣) سقطت من (ق).
  4. (٤) (ق): "وتفصيلًا وهما بما".
346

فصل١

وأما "لكِنْ"؛ فقال السُّهيلي: "أصح القولين فيها أنها مركبة من "لا" و"إنَّ" و"كاف الخطاب" في قول الكوفيين. قال السهيلي: وما أراها إلا كاف التشبيه؛ لأن المعنى يدل عليها إذا قلت: "ذهب زيد لكنَّ عَمْرًا مقيم"، تريد: لا [كفعل]٢ عَمرو، فـ "لا" لتوكيد النفي عن الأول، و"إنَّ" لإيجاب الفعل الثاني، وهو المنفي عن الأول؛ لأنك ذكرتَ [الذهاب]٣ الذي هو ضده فدلَّ على انتفائه به.

قلت: وفي هذا من التعسف والبعد عن اللغة والمعنى ما لا يخفى، وأيُّ حاجة إلى هذا بل هي حرف بشرطٍ٤ موضوع للمعنى المفهوم منها، ولا تقع إلا بين كلامين متنافِيَين.

ومن هنا قال: إنها رُكِّبت من: "لا والكاف وإن"، إلا أنهم لما حذفوا الهمزة المكسورة٥ كسروا الكاف إشعارًا بها، ولابدَّ بعدها من جملة إذا كان الكلام قبلها موجَبًا، شدَّدتَ نونها أو خفَّفتَ، فإن كان ما٦ قبلها منفيًّا اكتفيت بالاسم المفرد بعدها، إذا خُفِّفت النون منها، لِعِلْم المخاطب أنه لا يضاد النفي إلا الإيجاب، فلما اكتفت باسم مفرد -وكانت إذا خُفِّفت نونُها لا تعمل- صارت (ق/٧٩ أ) كحروف العطف فألحقوها بها؛ لأنهم حين استغنوا عن خبرها بما تقدم من

  1. (١) "نتائج الفكر": (ص/ ٢٥٥).
  2. (٢) من "النتائج" وتحرّفت في النسخ.
  3. (٣) في الأصول: "الذاهب" والمثبت من "النتائج".
  4. (٤) كذا في (ظ)، وفي (ق): "حروف ... " و(د) والمطبوعات: "حرف شرط"!.
  5. (٥) في الأصول وبعض نسخ "النتائج": "المذكورة" والمثبت من إحدى نسخ النتائج.
  6. (٦) (ظ ود): "ما في"!.
347

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي